الثلاثاء، 23 يونيو، 2009

أخي يدخل في خدمة سلطان مصر

ترجمها عن التركية: د. محمد دراج

المقال منقول من موقع المحرر اضغط هنا للذهاب الى الموقع

__________________________________________________

سمع سلطان مصر بشهرة أخي، فاستدعاه إليه. وعندما مثُل بين يديه، عرض عليه الدخول في خدمته. ذلك لأن السلطان كان يريد أن يبعث بأسطول إلى نواحي الهند. وإذ وافق أروج على عرض السلطان فإن هذا الأخير قد عينه قائدا للأسطول.

كتب السلطان مرسوما ملكيا إلى والي أضنة يأمره فيه بأن يرسل إلى ميناء باياس بخليج الإسكندرون ما يكفي لصناعة 40 قطعة بحرية من الأخشاب. أعدّ والي أضنة الأخشاب المطلوبة، وأرسلها إلى ميناء باياس. ولم يلبث أروج رئيس أن خرج في 16 سفينة إلى باياس لأخذ الأخشاب ثم يتجه بعدها إلى مصر.

علم الرودسيون بأن أروج قد صار قائدا لأسطول سلطان مصر فراحوا يترقّبون الفرصة للقضاء عليه. وعندما بلغهم مجيئه إلى باياس قاموا بالإغارة عليه بأسطول كبير.

أدرك أروج رئيس خطورة موقفه فقام بإخراج جميع سفنه إلى البر، وانسحب ببحارته إلى الداخل. حيث صرفهم بلدانهم، بينما جاء هو إلى أنطاليا. وهناك أمر بصناعة سفينة ذات 18 مقعدا، أغار بها على سواحل رودس، ولم يعط الكافرين فرصة التقاط أنفاسهم.

قال الأستاذ الأعظم:

- “لقد ظهر قرصان يدعى أروج رئيس، يملك سفينة ذات 18 مقعد. لا يكاد ينجو منه أحد. إنه يقوم بالاستيلاء على أموالنا، وإحراق بلادنا. وكثيرا ما يأسر أطفالنا ويأخذهم إلى طرابلس الشام حيث يبيعهم في أسواقها، حتى صرنا لا نقدر على ركوب البحر خوفا من شره. لقد كنت قلت لكم بأن لا تخرجوا هذا التركي من الزنزانة من تحت الأرض. لكن لم تسمعوا قولي، فأخرجتموه، وجعلتموه جذافا في السفينة. والآن اذهبوا وتخلصوا منه بسرعة.
انطلق الرودسيون خلف أروج في خمس أو ست قطع بحرية، وراحوا يبحثون عنه في كل مكان. وأخيرا أغاروا على أحد الموانئ، فأحرقوا سفينة أخي أروج، إلا أنه تمكن من النجاة مع بحارته، وعاد إلى أنطاليا.
أُخِذت سفينة أروج إلى ميناء رودس، وشُهِّر به على رؤوس الخلائق. لكن عدم تمكن الفرسان من أسر أروج واقتياده إلى رودس أثار سخط الأستاذ الأعظم الذي صرخ فيهم قائلا:

- “السفينة لأروج، لكنه ليس موجودا فيها”!!

في الوقت الذي رجع فيه أروج إلى أنطاليا كان الأمير كركود ابن السلطان بايزيد الثاني قد غادر (تكة) أنطاليا، إلى (سار وخان) مانيسا التي عُيِّن واليا عليها. وكان للأمير كركوت خازن يقال له: “بيالة باي”. وهذا الأخير كان أروج قد أهدى إليه غلاما إفرنجيا ؛ كما كانت تربطهما صداقة حميمة. وعندما وقع أروج في هذه الظروف الصعبة وبقي بدون سفينة، قام بيالة باي بعرض وضعيته على سيده الأمير كركوت فقال له:

- “إن أروج رئيس، عبد من عبيدكم المجاهدين، وهو يقوم بمجاهدة الكفار ليلا ونهارا. فحقق انتصارات كبيرة عليهم. والآن - وقد فقد سفينته - فهو يحتاج إلى أن تتفضلوا عليه بسفينة يغزو عليها”.

كان الأمير كركوت قد بلغته شهرته أروج، فقبل تحقيق رغبته بسرور. فدعا أروج للمثول بين يديه. وعندما جاءه احتفى به، وأكرمه، وقال له مُسَلِّيًا:

- “لا تأس، فإني لن أتركك بدون سفينة”. ثم لم يلبث أن كتب أمرا إلى قاضي إزمير كتابا قال له فيه:

- “إذا جاءك كتابي هذا، فعليك أن تأمر بصنع سفينة من نوع (قاليتة) دون تأخير، وذلك حسب رغبة ولدي أروج، حتى يتمكن من مجاهدة الكفار عليها والانتقام منهم”. كما قام بيالة باي بكتابة أمر إلى أمير الجمارك بإزمير جاء فيه:

- “إن أروج أخونا في الدنيا والآخرة. فلا تحرمه من عونك. عليك أن تأمر بصنع سفينة ذات 22 مقعدا، وأن تقوم بالإشراف عليها بنفسك. كما يجب عليك أن تقوم بتسليمها إلى أروج في أقرب وقت ممكن. وأن تكتب جميع مصاريف تجهيز السفينة في حساب سيدي الأمير كركوت”.

جاء أروج إلى إزمير، فسُلمت له السفينتان في الموعد المحدد: إحداهما تلك التي كان قد أهداها له الأمير كركوت، وأما الثانية فكانت ملكا لبيالة باي، وقد وضعت تحت تصرف أروج.

قام أروج بتجهيز السفينتين، وجمع بحارته وانطلق بهم إلى (فوجا). كانت سفينة أروج ذات 24 مقعدا، وأما سفينة بيالة باي فقد كانت ذات 22 مقعدا. لقد تم صنع هاتين السفينتين خلال ثلاثة أشهر ونصف.

رست السفينتان في ميناء (فوجا). فتوجه أروج رئيس من هناك إلى (مانيسا)، حيث نزل في قصر بيالة باي، فمكث هناك ثلاثة أيام ضيفا. وبعد ثلاثة أيام مثُل بين يدي الأمير كركوت، فقبَّل يده. أثنى عليه الأمير ودعا له قائلا:

- “أسأل الله أن ينصرك في جميع غزواتك”.

ودّع أروج الأمير كركوت و بيالة باي في مانيسا، ثم عاد إلى (فوجا). فأمضى تلك الليلة مستغرقا في الدعاء والعبادة. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي أقلع بسفنه. فلقي بعد عدة أيام سفينتين من سفن البندقية في عرض البحر، فاستولى عليهما. فإذا بهما محملتان بـ: 24.000 قطعة ذهبية. فأخذت هذه الأموال وغيرها غنيمة. لقد استغنى البحارة بذلك كثيرا. كيف لا يستغنون، وقد حازوا دعاء ابن عثمان الأمير كركوت. إن من فاز بدعاء السلطان تكون عاقبته خيرا، ومن دعا عليه السلطان فإنه يظل يتخبط من كارثة إلى أخرى.

خاض أروج هذه المعركة في سواحل بوليا، ومن هناك توجه إلى سواحل الروم، فصادف في عرض مياه جزيرة (أغريبوز) ثلاث سفن بندقية أخرى. عندما رأى كفار البندقية سفن أروج رئيس، شرعوا في إطلاق قذائفهم عليه. قام أروج بتشجيع بحارته على الصمود. فاقتربوا من السفن البندقية التي كانت قد حولت البحر إلى جحيم بقذائف مدافعها.

اقتربت السفن من بعضها البعض، فقفز البحارة إلى سفن الكفار، واستولوا عليها، بعدما أخذوا 285 أسير، وقتلوا 120 بندقيا.

نقلت الأموال التي كانت في السفن البندقية إلى سفن أروج رئيس. كانت السفن تبدو السلحفاة من ثقل الغنائم التي كانت تحملها. إذ لم تعد قادرة على الحركة. فأتوا إلى ميديللي في احتفال كبير.استقبلت أنا وأخي إسحاق أروج في الميناء رفقة جميع أقاربنا. قبَّلنا بعضنا وتعانقنا بحرارة وشوق كبيرين. ذلك لأنه كانت قد مضت سنوات طويلة على مغادرة أروج رئيس لميديللي.

قرر أخي مغادرة ميديللي إلى إزمير لمقابلة ولي نعمته الأمير كركوت و أخيه بيالة باي. لكن في هذه الأثناء وصل خبر جلوس السلطان سليم خان على عرش السلطنة، ومعاداته لأخيه الأمير كركوت الذي فر من شدة الخوف. حزن أخي أروج كثيرا لهذا الخبر، فقال له أخي الأكبر إسحاق:

- “يجب أن تذهب من هنا وتقضي هذا الشتاء في الإسكندرية، ثم ننظر ما الذي يحدث؟ إن السفينة التي لديك من إحسان الأمير كركوت، فقد يصيبك من ذلك ضرر”.

وقبل أن يبقى لأخي أروج وقت لإطفاء حرارة الشوق ودّع كل منا الآخر وغادر ميديللي. فاستولى في سواحل جزيرة كربة Kerpe على سبع سفن للعدو ومضى إلى الإسكندرية. عندما وصل إلى هناك علم السلطان بوصوله مع يحيى رئيس بسبع قطع بحرية من الغنائم. كان أروج رئيس في غاية الحرج من سلطان مصر بسبب فقدانه السفن التي منحها له. وذلك عندما استولى عليها الرودسيون حينما أغاروا عليه في باياس Payas. ولكي يفوز بعفو السلطان فقد خص هذا الأخيرَ بقطع بحرية عظيمة من أموال الغنائم، كما اختار أربع جواري، وأربعة غلمان، وقدمها له. سُرّ السلطان بذلك كثيرا، وأحسن ضيافته هو ورفاقه. ثم قال له:

- “إن الله عفوٌّ يحب العفو. وقد عفوت عنك يا قبطان أروج. حقيقة لقد تركت 16 مركبا تحترق، لكنك لم تدع أحدا من البحارة الذين كانوا فيها يُصابون بأذى، فأنقذتهم جميعا. ولم تترك أحدا منهم يقع في الأسر. فأنا لم آسف لاحتراق سفني، إذ الأيام دول، وكل شيء يمكن أن يحدث. وإنما أسفت لعدم مجيئك إليَّ. لقد عفوت عنك، وأشكرك إذ أخذت بخاطري من جديد”. قال ذلك، وبالغ في إكرام أخي، وكافأه بأكثر من الهدايا التي أتحفه بها.

استأذن أخي، وعاد من القاهرة إلى الإسكندرية. وكان السلطان قد كتب أمرا ملكيا إلى واليه بالإسكندرية يأمره فيه بإكرام أخي ورفاقه، فقام الوالي بإكرامهم وحسن ضيافتهم. وقضى أخي هناك وقتا ممتعا.

حل الربيع، فكتب أخي إلى السلطان يستأذنه في الخروج للغزو، فأذن له بذلك. فركب البحر متوجها إلى سواحل قبرص حيث استولى على خمس مراكب بندقية Venedik. ومن هناك توجه نحو الغرب فوصل إلى جزيرة جربة بتونس حيث باع غنائمه لتجار الجزيرة. فكان نصيب كل بحار 25 ذراعا من جوخ البندقية، و4 بنادق، و4 مسدسات، و 171.5 قطعة ذهبية.

وجد أروج سفينة ذاهبة إلى الإسكندرية، فبعث فيها إلى سلطان مصر أغلى أنواع الجوخ، والبنادق، والمسدسات، بالإضافة إلى غلام في الثالثة أو الرابعة عشر من عمره. فقال السلطان لما وصلته هذه الهدايا:

- “إذا كان في هذه الدنيا من يرعى حق النعمة، ويعرف الفضل لأهله، فهو ولدي القبطان أروج”.

وهكذا دعا لأخي كثيرا، وتوثقت أواصر المودة بينهما. واستمر أخي في اقتناص سفن الأعداء في سواحل جربة، إذ استولى على 5 أو 10 سفن أخرى.

—————
الحلقة القادمة: ظننت أن العالم كله صار ملكا لي

إرسال تعليق

مدونة بن عربي : الصوفية هي الحق هى المعرفة النورانية اللدنية

مدونة بن عربي : الصوفية هي الحق هى المعرفة النورانية اللدونية