الثلاثاء، 23 يونيو، 2009

الحلقة السادس عشرة، الدخول إلى الجزائر

ترجمها عن التركية: د. محمد دراج

المقال منقول من موقع المحرر اضغط هنا للذهاب الى الموقع

__________________________________________________________

بعد أن فرغت من حل مسألة ابن القاضي وغيرها أصدرت أوامري بالمسير، حيث وصلنا إلى مدينة الجزائر بعد ساعة. فخرج أعيانها إلى ظاهر المدينة لاستقبالنا. وعندما دخلنا المدينة مررنا عبر شوارعها التي اكتظت بالأهالي الذين راحوا يصفقون بحرارة تعبيرا عن ابتهاجهم بقدومنا. وسرنا حتى بلغنا منازلنا القديمة التي كنا نقيم فيها من قبل.

عندما استقريت في الجزائر بذلت كل ما في وسعي لإعادة النظام والأمن إلى مدينة الجزائر. وفي الوقت ذاته أرسلت إلى سنان رئيس لكي يُحضر عائلتي وسفني إلى الجزائر. فخرج سنان رئيس من جيجل في 33 سفينة، وعندما كان يهم بالدخول إلى ميناء الجزائر أطلق قذائف المدفعية تعبيرا عن تحيته ، فرددت عليه التحية بإطلاق قذائف مدفعية من قلعة الجزائر .

هذا ما كان يحدث في الجزائر. أما في تلمسان، فإن سلطانها الذي أجلسته على عرشها فإنه انتهز فرصة خروجي من الجزائر، ليقوم بإلغاء السكة التي كان يسكها باسم سلطانها المعظم، ويقوم بضرب العملة باسمه. فكتبت إليه ـ بعد استقراري في الجزائر ـ أقول له:

” عليك أن تضرب النقود باسم خليفة الزمان، وترسل دون تأخير الضرائب المتأخرة إلى الجزائر، والتي بلغت 39000 دوقة. إن إلغاء النقود التي كانت تضرب باسم خليفة رسول الله r جرم عظيم. عليك أن تجدد إيمانك في الحال، وإلا فإني سوف سأمحوك من الأرض مثلما فعلت بابن القاضي“

عندما استلم الأمير عبد الله رسالتي قام بتمزيقها ورميها. فقررت على إثر ذلك مساندة ابنه الأمير محمد، الذي كان قد خرج على أبيه رغبة في خلعه والجلوس على عرش تلمسان. فلجأ إلى الجبال في 2000 فارس.

أعددت جيشا وسرت به إلى تلمسان. فلحق بنا في الطريق الأمير عبد الله. فقبل يدي وانضم إلى جيشي. في هذا الوقت كان الملك عبد الله قد خرج من تلمسان وسار إلينا. فالتقينا في مازونة حيث اشتبكت قواتنا هناك. تمكن جيشي من تشتيت قوات الملك عبد الله وأسره. فأمرت على الفور بضرب عنقه، وألبست ابنه الخلعة السلطانية وأجلسته على عرش تلمسان.

أمرت 400 بحار بمرافقة الأمير الجديد إلى تلمسان. فقام هذا الأخير فور وصوله بدفع الضرائب المتأخرة، والتي كانت تقدر بـ90.000 دوقة سلمها إلى بحارتي، وهم بدورهم قاموا بإرسالها إلى الجزائر. لقد كان أهالي تلمسان سعداء جدا بأميرهم الجديد.

في هذه الأثناء تمكن بحارتي من القبض على فرحات ابن أخي ابن القاضي وأحضروه إلي. فطلب العفو معتذرا بأنه لم تكن له صلة بتمرد عمه الشيخ ابن القاضي. وأنه يلتزم بدفع 20.000 دوقة متعهدا أنه سيكون خادما وفيا لي. فعقدت معه معاهدة التزم فيها بأنه لا ينزل من جبال القبائل دون إذني، وأن يدفع سنويا 10.000 ذهبا و 1000 جمل و 1000 بقرة و 2000 شاة و 100 بغل و 20 فرسا.

عندما رجعت إلى الجزائر، قسمت أسطولي إلى مجموعات بحرية صغيرة، وأرسلتها للغزو تحت إمرة سنان رئيس. في الليلة السابقة لخروجها إلى الغزو رأيت في المنام رؤيا صالحة جعلتني أشعر بأنها ستكون غزوة مباركة. وبالفعل عادت 6 سفني تجر 6 سفن تم غنمها من الكفار. كانت إحداها مشحونة بالبارود والرصاص وقذائف المدفع، إضافة إلى 60 قذيفة من البرونز كل واحدة منها تزنا ما بين 18 إلى 24 أقجة. شعرت بسرور عارم لهذه الغنائم لأننا كنا في حاجة إليها.

أما السفينة الثانية فقد مشحونة بالنفط، والقطران، والأعمدة، والألواح. وأما الثالثة فكانت تحمل الزيتون، وزيت الزيتون، والجبن، والعسل. وأما الرابعة فكانت مشحونة بالسكر، بينما كانت الثانيتين الأخيرتين تحملان أموالا نفيسة.

عاد الأسطول الأول إلى الجزائر مشحونا بالغنائم أكثر من غيره من الأساطيل الأخرى. وفضلا عن هذا فإن أي سفينة من سفني الـ35 لم تصب بأذى. فالحمد لله حمدا كثيرا على فضله.

كان الإسبان قد شيدوا قلعة حصينة على أرض صخرية تدعى:” البنيون “ تقع في عرض البحر على مسافة 300 متر من مرسى الجزائر. كانت القلعة قد أسندت حراستها إلى مئات الجنود المتحصنين بها مزودين بمئات المدافع، يقودهم نبيل عجوز يدعى دون مارتين دي فيرغاس، عرف قديما بأنه أحد القباطنة المشهورين. لم يكن باستطاعة الإسبان أن يجعلوا على القلعة عدد كبيرا من الجنود نظرا لضيق مساحتها. لم يكن باستطاعة هؤلاء الجنود أن ينزلوا إلى البر. حتى الماء الذي يشربونه كانوا يأتون به من جز البليار.

قديما كان الإسبان يمطرون مرسى الجزائر بقذائفهم، فيضطر أهالي المدينة إلى الخضوع لهم وقبول ما يملونه عليهم. أما الآن فلم يفعلون ذلك بسبب خوفهم منا. إلا أننا كنا نرى ترك هذه الصخرة في يد الإسبان أمرا غير وجيه. فاقترحت على قائد القلعة الإسباني دون مارتين تسلم القلعة والانسحاب منها دون أن يصابوا بأذى فرفض ما عرضته عليه. عند ذلك شرعت في قصف القلعة بالمدافع على مدى عشرين يوما ليلا ونهارا، إلى أن تمكنت من اقتحامها. وبعد معركة كبيرة أعلن دون مارتين مع 700 من رجاله استسلامهم.

ظننت أن العالم كله صار ملكا لي

ترجمها عن التركية: د. محمد دراج

منقول من موقع المحرر اضغط هنا للذهاب للموقع

___________________________________________________

تعالوا نتعرف على أوضاع البلاد : عندما جلس السلطان سليم خان على العرش ، وقع خلاف بينه وبين أخيه الأمير قورقود، فأرسل إليه السلطان سليم جيشا، فلم يدع مكانا لم يبحث عنه فيه، إلا أنه لم يتمكن من العثور عليه. في ذلك الوقت كان القبطان باشا إسكندر باشا. كان رجلا في غاية الجور والظلم.

لم يكن يأذن لأحد بركوب البحر ولو على قارب صغير ذي مجدافين .وكثيرا ما قام بإيذاء البحارة بدعوى أنهم من رجال الأمير قورقود . عندما بلغني ذلك قررت مغادرة ميديللي ، فحمّلت سفينة قمح ، ثم مضيت بسرعة إلى طرابلس الشام ، حيث استبدلت القمح بالشعير ، ثم ذهبت إلى بروزة حيث بعت شعيري ، واشتريت بعض الأفراس ، والبغال . ثم رسوت في جزيرة أياماوري المقابلة لبروزة . فرأيت سفينة ذات 24 مقعدا راسية في الميناء . أعجبت بها كثيرا ، فسألت عن صاحبها فقيل لي بأنها لقبطان تركي يدعى : القبطان فتاح . كان القبطان فتاح قد توفي قريبا ، فأرسل ورثته السفينة إلى هناك لبيعها .لقد أُغرمت كثيرا بهذه السفينـة ، وكنت مستعدا لدفع أي مبلغ يريده أصحابها . وفي النهاية اتفقت معهم على ستة أكياس من الفضـة . وعندما اشتريت السفينة خيل إليَّ وكأن العالم كله قد صار ملكا لي . ركبت سفينتي ، وأخذت بقية القطع . فجُبت البحر المتوسط طولا وعرضا . إلى أن أتيت جزيرة جربة . فالتقيت بأخي أروج هناك . وبينما نحن نفكر إلى أين نذهب ، حتى قررنا التوجه إلى تونس .وقلنا : ” ما دام الموت هو نهاية كل حي ، فليكن في الغزو في سبيل الله ” .

كنت أنا وأخي ، ويحيى رئيس . ركب كل منا سفينة ، وأتينا تونس فدخلنا على السلطان ، و قدمنا له الهدايا ، ثم قلنا له :

-” نريد أن تتفضل علينا بمكان نحمي فيه سفننا . ونحن نقوم بالجهاد في سبيل الله . والغنائم التي نغنمها سوف نبيعها في أسواق تونس ، فيستفيد المسلمون . وتنتعش التجارة . كما نعطيك 1/8 من الغنائم التي نحصل عليها “.

سلطان تونس :

- ” إن ما تقولونه منطقي جدا . ” أهلا وسهلا بكم ، البلد بلدكم ” .

بارك الله في غزوكم

منحنا السلطان ميناء حلق الوادي ، فقضينا الشتاء هناك . وعندما حل الربيع ركبنا البحر . بخمس قطع بحرية . كانت سفينتي أسرعها .فبلغنا جزيرة سردونيا ، وهناك استولينا على سفينة أحد القراصنة . كان فيها 150 أسيرا.

وفي هذه الأثناء بدت لنا في الأفق والعياذ بالله . كان ذراعي الأيمن دلي محمد قبطانا لإحدى السفن كأنها جبل كشيش سفننا ، كان شابا شجاعا ، قال لي:

- ” سيدي القبطان ، أرجو أن تأذن لي في الذهاب لأستولي على تلك السفينة ” .

ولكي آخذ بخاطر دلي محمد فقد أذنت له بأن يمضي ليستولي عليها . كانت سفينته تبدو صغيرة جدا أمام سفينة العدو وكأنها غلاف حبة البندق . أما نحن فقد تعقبنا سفينة دلي محمد ، وعندما حاذينا السفينة . لم نجد بها أحدا . لقد ركبوا قواربهم وفروا عندما رأوا سفننا . صعدنا إلى السفينة ، كانت مشحونة قمحا . سلمنا على دلي محمد وقلنا له :

- ” غزو مبارك ” .

وفي الصباح التالي ، استولينا على سفينتين أخريين . إحداهما كانت محملة بالعسل ، والزيتون ، والجبن . أما الأخرى فقد كانت سفينة جنوية محملة بالحديد .

وصلنا إلى تونس على أصوات طلقات المدافع ، مثقلين بغنائم كالجبال . أخذ جميع الغزاة قدر ما يريدون من الغنائم . كما قمنا بفرز حصة السلطان ، وتصدقنا بمال كثير على الفقراء ، فنلنا منهم كثيرا من الدعاء .

بدأ الكفار يهابوننا

أمضينا الشتاء في تونس أيضا ، وعندما حل الربيع خرجنا للغزو . وصلنا خلال ثلاثة عشر يوما إلى ميناء أنابولي بجزيرة مورة . فصادفنا مركبا كبيرا متوجها إلى إسبانيا . كان فيه ما بين 300 إلى 400 مقاتل .رفعنا راياتنا الذهبية وشرعنا في قصفهم . حاولنا سبع مرات الاقتراب من المركب ، وفي المرة السابعة تمكنا من محاذاتـه . فجرت معركة كبيرة تمكنا على إثرها من الاستيلاء عليه . سقط 150 شهيدا من رفاقنا ، وجرح 86 منهم . و تبين لنا أنه كان في السفينة 525 شخصا ، أسرنا منهم 183 ، وأما الآخرون فقد كانوا قد قتلوا . كان من بينهم واليا لإحدى المقاطعات الكبيرة بإسبانيا . استولينا على سفينة أخرى ثم رجعنا إلى تونـس .كان أخي أروج قد جرح ، فتمت معالجته في تونس .كان من بين الغنائم التي حصلنا عليها : 70 إلى 80 ببـغاء ، و 20 بازيا. قمنا بإهدائها إلى سلطان تونس . بعد هذه الغزوة شاع أمرنا في كل ممالك الكفر . فاتفقوا على القضاء علينا قائلين :

- “لقد ظهر تركيان اسمهما : أروج ، وخير الدين خضر . يجب أن نسحق هاتين الحيتين قبل أن تتحولا إلى تنين . علينا أن نمحو اسمهما من على وجه
الأرض . والآن إذا أتحنا لهما الفرصة فإنهما سوف يسببان لنا متاعب كثيرة .

وهكذا أعد الكفار عشر قطع إعدادا جيدا لإلقاء القبض علينا. لكننا كنا قد ركبنا البحر بحرية من نوع قادرغة قبل وصولهم . كنا نريد التوجه إلى جنوة ، إلا أنه بسبب مخالفة الرياح توجهنا إلى سواحل الجزائر . فرسونا أمام قلعة تدعى : “بجاية” . وأما السفن الإسبانية ، فإنها عندما لم تعثر علينا في سواحل جنوة ، فقد توجهت إلى بجاية . كان الاشتباك معها على الساحل فيه خطورة كبيرة ، ولذلك فقد ركبنا البحر بسرعة . ظنت السفن الكافرة أننا فررنا منها ، فانطلقت خلفنا .

وعندما ابتعدنا عن الساحل بمسافة كافية ، أمرنا أخي أروج بالعودة والاقتراب من السفن الكافرة . دهش الكفار لهذه المناورة التي لم تكن متوقعة ، فجرت معركة كبيرة . أسرعنا إلى سفينة القيادة . وما إن استولينا عليها مع ثلاث سفن أخرى ، حتى لاذت السفن الباقية بالفرار نحو بجاية محتمية بقلعتها . أراد أخي أروج أن يدخل تحت القلعة ليستولي على السفن . كنت أريد منعـه ، لأن وضعه كان خطيرا جدا .كان الأحوط أن نأخذ السفن الأربعة ، ونرجع إلى تونس ، ونترك السفن الستة الباقية لحالها .

—————-
الحلقة القادمة : أربع سفن صارت أربعة عشر

أخي يدخل في خدمة سلطان مصر

ترجمها عن التركية: د. محمد دراج

المقال منقول من موقع المحرر اضغط هنا للذهاب الى الموقع

__________________________________________________

سمع سلطان مصر بشهرة أخي، فاستدعاه إليه. وعندما مثُل بين يديه، عرض عليه الدخول في خدمته. ذلك لأن السلطان كان يريد أن يبعث بأسطول إلى نواحي الهند. وإذ وافق أروج على عرض السلطان فإن هذا الأخير قد عينه قائدا للأسطول.

كتب السلطان مرسوما ملكيا إلى والي أضنة يأمره فيه بأن يرسل إلى ميناء باياس بخليج الإسكندرون ما يكفي لصناعة 40 قطعة بحرية من الأخشاب. أعدّ والي أضنة الأخشاب المطلوبة، وأرسلها إلى ميناء باياس. ولم يلبث أروج رئيس أن خرج في 16 سفينة إلى باياس لأخذ الأخشاب ثم يتجه بعدها إلى مصر.

علم الرودسيون بأن أروج قد صار قائدا لأسطول سلطان مصر فراحوا يترقّبون الفرصة للقضاء عليه. وعندما بلغهم مجيئه إلى باياس قاموا بالإغارة عليه بأسطول كبير.

أدرك أروج رئيس خطورة موقفه فقام بإخراج جميع سفنه إلى البر، وانسحب ببحارته إلى الداخل. حيث صرفهم بلدانهم، بينما جاء هو إلى أنطاليا. وهناك أمر بصناعة سفينة ذات 18 مقعدا، أغار بها على سواحل رودس، ولم يعط الكافرين فرصة التقاط أنفاسهم.

قال الأستاذ الأعظم:

- “لقد ظهر قرصان يدعى أروج رئيس، يملك سفينة ذات 18 مقعد. لا يكاد ينجو منه أحد. إنه يقوم بالاستيلاء على أموالنا، وإحراق بلادنا. وكثيرا ما يأسر أطفالنا ويأخذهم إلى طرابلس الشام حيث يبيعهم في أسواقها، حتى صرنا لا نقدر على ركوب البحر خوفا من شره. لقد كنت قلت لكم بأن لا تخرجوا هذا التركي من الزنزانة من تحت الأرض. لكن لم تسمعوا قولي، فأخرجتموه، وجعلتموه جذافا في السفينة. والآن اذهبوا وتخلصوا منه بسرعة.
انطلق الرودسيون خلف أروج في خمس أو ست قطع بحرية، وراحوا يبحثون عنه في كل مكان. وأخيرا أغاروا على أحد الموانئ، فأحرقوا سفينة أخي أروج، إلا أنه تمكن من النجاة مع بحارته، وعاد إلى أنطاليا.
أُخِذت سفينة أروج إلى ميناء رودس، وشُهِّر به على رؤوس الخلائق. لكن عدم تمكن الفرسان من أسر أروج واقتياده إلى رودس أثار سخط الأستاذ الأعظم الذي صرخ فيهم قائلا:

- “السفينة لأروج، لكنه ليس موجودا فيها”!!

في الوقت الذي رجع فيه أروج إلى أنطاليا كان الأمير كركود ابن السلطان بايزيد الثاني قد غادر (تكة) أنطاليا، إلى (سار وخان) مانيسا التي عُيِّن واليا عليها. وكان للأمير كركوت خازن يقال له: “بيالة باي”. وهذا الأخير كان أروج قد أهدى إليه غلاما إفرنجيا ؛ كما كانت تربطهما صداقة حميمة. وعندما وقع أروج في هذه الظروف الصعبة وبقي بدون سفينة، قام بيالة باي بعرض وضعيته على سيده الأمير كركوت فقال له:

- “إن أروج رئيس، عبد من عبيدكم المجاهدين، وهو يقوم بمجاهدة الكفار ليلا ونهارا. فحقق انتصارات كبيرة عليهم. والآن - وقد فقد سفينته - فهو يحتاج إلى أن تتفضلوا عليه بسفينة يغزو عليها”.

كان الأمير كركوت قد بلغته شهرته أروج، فقبل تحقيق رغبته بسرور. فدعا أروج للمثول بين يديه. وعندما جاءه احتفى به، وأكرمه، وقال له مُسَلِّيًا:

- “لا تأس، فإني لن أتركك بدون سفينة”. ثم لم يلبث أن كتب أمرا إلى قاضي إزمير كتابا قال له فيه:

- “إذا جاءك كتابي هذا، فعليك أن تأمر بصنع سفينة من نوع (قاليتة) دون تأخير، وذلك حسب رغبة ولدي أروج، حتى يتمكن من مجاهدة الكفار عليها والانتقام منهم”. كما قام بيالة باي بكتابة أمر إلى أمير الجمارك بإزمير جاء فيه:

- “إن أروج أخونا في الدنيا والآخرة. فلا تحرمه من عونك. عليك أن تأمر بصنع سفينة ذات 22 مقعدا، وأن تقوم بالإشراف عليها بنفسك. كما يجب عليك أن تقوم بتسليمها إلى أروج في أقرب وقت ممكن. وأن تكتب جميع مصاريف تجهيز السفينة في حساب سيدي الأمير كركوت”.

جاء أروج إلى إزمير، فسُلمت له السفينتان في الموعد المحدد: إحداهما تلك التي كان قد أهداها له الأمير كركوت، وأما الثانية فكانت ملكا لبيالة باي، وقد وضعت تحت تصرف أروج.

قام أروج بتجهيز السفينتين، وجمع بحارته وانطلق بهم إلى (فوجا). كانت سفينة أروج ذات 24 مقعدا، وأما سفينة بيالة باي فقد كانت ذات 22 مقعدا. لقد تم صنع هاتين السفينتين خلال ثلاثة أشهر ونصف.

رست السفينتان في ميناء (فوجا). فتوجه أروج رئيس من هناك إلى (مانيسا)، حيث نزل في قصر بيالة باي، فمكث هناك ثلاثة أيام ضيفا. وبعد ثلاثة أيام مثُل بين يدي الأمير كركوت، فقبَّل يده. أثنى عليه الأمير ودعا له قائلا:

- “أسأل الله أن ينصرك في جميع غزواتك”.

ودّع أروج الأمير كركوت و بيالة باي في مانيسا، ثم عاد إلى (فوجا). فأمضى تلك الليلة مستغرقا في الدعاء والعبادة. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي أقلع بسفنه. فلقي بعد عدة أيام سفينتين من سفن البندقية في عرض البحر، فاستولى عليهما. فإذا بهما محملتان بـ: 24.000 قطعة ذهبية. فأخذت هذه الأموال وغيرها غنيمة. لقد استغنى البحارة بذلك كثيرا. كيف لا يستغنون، وقد حازوا دعاء ابن عثمان الأمير كركوت. إن من فاز بدعاء السلطان تكون عاقبته خيرا، ومن دعا عليه السلطان فإنه يظل يتخبط من كارثة إلى أخرى.

خاض أروج هذه المعركة في سواحل بوليا، ومن هناك توجه إلى سواحل الروم، فصادف في عرض مياه جزيرة (أغريبوز) ثلاث سفن بندقية أخرى. عندما رأى كفار البندقية سفن أروج رئيس، شرعوا في إطلاق قذائفهم عليه. قام أروج بتشجيع بحارته على الصمود. فاقتربوا من السفن البندقية التي كانت قد حولت البحر إلى جحيم بقذائف مدافعها.

اقتربت السفن من بعضها البعض، فقفز البحارة إلى سفن الكفار، واستولوا عليها، بعدما أخذوا 285 أسير، وقتلوا 120 بندقيا.

نقلت الأموال التي كانت في السفن البندقية إلى سفن أروج رئيس. كانت السفن تبدو السلحفاة من ثقل الغنائم التي كانت تحملها. إذ لم تعد قادرة على الحركة. فأتوا إلى ميديللي في احتفال كبير.استقبلت أنا وأخي إسحاق أروج في الميناء رفقة جميع أقاربنا. قبَّلنا بعضنا وتعانقنا بحرارة وشوق كبيرين. ذلك لأنه كانت قد مضت سنوات طويلة على مغادرة أروج رئيس لميديللي.

قرر أخي مغادرة ميديللي إلى إزمير لمقابلة ولي نعمته الأمير كركوت و أخيه بيالة باي. لكن في هذه الأثناء وصل خبر جلوس السلطان سليم خان على عرش السلطنة، ومعاداته لأخيه الأمير كركوت الذي فر من شدة الخوف. حزن أخي أروج كثيرا لهذا الخبر، فقال له أخي الأكبر إسحاق:

- “يجب أن تذهب من هنا وتقضي هذا الشتاء في الإسكندرية، ثم ننظر ما الذي يحدث؟ إن السفينة التي لديك من إحسان الأمير كركوت، فقد يصيبك من ذلك ضرر”.

وقبل أن يبقى لأخي أروج وقت لإطفاء حرارة الشوق ودّع كل منا الآخر وغادر ميديللي. فاستولى في سواحل جزيرة كربة Kerpe على سبع سفن للعدو ومضى إلى الإسكندرية. عندما وصل إلى هناك علم السلطان بوصوله مع يحيى رئيس بسبع قطع بحرية من الغنائم. كان أروج رئيس في غاية الحرج من سلطان مصر بسبب فقدانه السفن التي منحها له. وذلك عندما استولى عليها الرودسيون حينما أغاروا عليه في باياس Payas. ولكي يفوز بعفو السلطان فقد خص هذا الأخيرَ بقطع بحرية عظيمة من أموال الغنائم، كما اختار أربع جواري، وأربعة غلمان، وقدمها له. سُرّ السلطان بذلك كثيرا، وأحسن ضيافته هو ورفاقه. ثم قال له:

- “إن الله عفوٌّ يحب العفو. وقد عفوت عنك يا قبطان أروج. حقيقة لقد تركت 16 مركبا تحترق، لكنك لم تدع أحدا من البحارة الذين كانوا فيها يُصابون بأذى، فأنقذتهم جميعا. ولم تترك أحدا منهم يقع في الأسر. فأنا لم آسف لاحتراق سفني، إذ الأيام دول، وكل شيء يمكن أن يحدث. وإنما أسفت لعدم مجيئك إليَّ. لقد عفوت عنك، وأشكرك إذ أخذت بخاطري من جديد”. قال ذلك، وبالغ في إكرام أخي، وكافأه بأكثر من الهدايا التي أتحفه بها.

استأذن أخي، وعاد من القاهرة إلى الإسكندرية. وكان السلطان قد كتب أمرا ملكيا إلى واليه بالإسكندرية يأمره فيه بإكرام أخي ورفاقه، فقام الوالي بإكرامهم وحسن ضيافتهم. وقضى أخي هناك وقتا ممتعا.

حل الربيع، فكتب أخي إلى السلطان يستأذنه في الخروج للغزو، فأذن له بذلك. فركب البحر متوجها إلى سواحل قبرص حيث استولى على خمس مراكب بندقية Venedik. ومن هناك توجه نحو الغرب فوصل إلى جزيرة جربة بتونس حيث باع غنائمه لتجار الجزيرة. فكان نصيب كل بحار 25 ذراعا من جوخ البندقية، و4 بنادق، و4 مسدسات، و 171.5 قطعة ذهبية.

وجد أروج سفينة ذاهبة إلى الإسكندرية، فبعث فيها إلى سلطان مصر أغلى أنواع الجوخ، والبنادق، والمسدسات، بالإضافة إلى غلام في الثالثة أو الرابعة عشر من عمره. فقال السلطان لما وصلته هذه الهدايا:

- “إذا كان في هذه الدنيا من يرعى حق النعمة، ويعرف الفضل لأهله، فهو ولدي القبطان أروج”.

وهكذا دعا لأخي كثيرا، وتوثقت أواصر المودة بينهما. واستمر أخي في اقتناص سفن الأعداء في سواحل جربة، إذ استولى على 5 أو 10 سفن أخرى.

—————
الحلقة القادمة: ظننت أن العالم كله صار ملكا لي

الأحد، 21 يونيو، 2009

فرار أخي أروج من سفينة فرسان رودس ونجاته

ترجمها عن التركية: د. محمد دراج

المقال منقول من موقع المحرر اضغط هنا للذهاب للموقع

___________________________________________________

في تلك الفترة كان الأمير كركود واليا على أنطاليا. وكان قد تعود على أن يشتري في كل سنة مائة من الأسرى الأتراك من فرسان جزيرة رودس، ويعتقهم في سبيل الله. فأرسل في تلك السنة حاجبه إلى رودس. فقام الرودسيون بفرز المائة أسير تركي، وتسليمهم إليه. كانت الاتفاقية تقضي بأن يحمل الأسرى في سفينة رودسية إلى سواحل أنطاليا. فقدر الله تعالى أن تختار السفينة التي كان أروج مقيدا بها لنقل الأسرى. ونظرا لقيمة أروج فإن الرودسيين لم يجعلوه ضمن المائة أسير الذين سيتم الإفراج عنهم.

كان أروج رئيس رجلا خفيف المزاج، متقنا للكثير من اللغات، لاسيما الرومية التي كان يتكلمها بشكل لا مثيل له. وكثيرا ما كان يتبادل أطراف الحديث مع القباطنة الرودسيين الذين يجيئون إلى سفينته وذات يوم قال القباطنة لأروج:

- “أيها التركي: أنت رجل حلو الحديث، خصوصا بلساننا الذي تعرفه جيدا. ما لذي وجدته في الإسلام ؟ تعال ادخل في ديننا وسوف يكون لك شأن كبير بيننا”!!
فأجابهم أروج قائلا:

- “أيها المجانين: كل شخص يروقه دينه. هل يوجد نبي أفضل من النبي محمد فأؤمن به؟”.

- “إذن لتبق على حالك، وننظر كيف يخلصك نبيك من أيدينا. والآن لتستمر في الجذف”.

يجب أن تحذروا من أروج

قال قسيس السفينة التي قيِّد فيها أروج للقباطنة محذرًا:

- “يجب أن تحذروا مما يقوله أروج، فلا تتحدثوا معه كثيرا. إنه يبدوا متعلما، ويعرف عن الإسلام أكثر مما أعرف عن المسيحية.. إياكم أن تغفلوا، فهو ملحد قادر على إضلالكم جميعا”.
رست السفينة الرودسية في مكان موحش قريب من أنطاليا. حيث أُنزل حاجب الأمير كركود، ومعه المائة أسير، فُتركوا هناك. وفي تلك الليلة كانت تهبُّ ريح معاكسة، قرر الرودسيون بسببها انتظار الصباح. ثم قاموا بإنزال قارب السفينة والمضيِّ لصيد السمك. في هذه الأثناء هبَّت عاصفة شديدة لم يتمكن القارب بسببها من الدنوِّ من السفينة. فرسى في مكان بعيد من الساحل. انتهز أروج هذه الفرصة التي لم يكن فيها أحد يستطيع أن يرى فيها الآخر من شدّة الظلام الذي كان مُخيِّما على المكان. فحلَّ قيوده، وألقى بنفسه في البحر قائلا: “بسم الله الرحمن الرحيم”. وراح يسبح حتى وصل إلى الساحل بسلام.

سجد شكرا لله، ثم سار حتى وصل إلى قرية تركية. وبينما هو يلتفت يمينا وشمالا باحثا عن شيء يستدل به على مكان وجوده إذا به يجد أمامه عجوزا تركية تقول له:
- “تبدوا كأنك قد جئت من طريق بعيد يا بنيَّ. تعال انزل عندي ضيفا في هذه الليلة”.

أخذت العجوز أروج رئيس إلى بيتها، وأحضرت له الطعام، فأطعمته، وسقته، وغيرت له ملابسه. وأمضى عشرة أيام في تلك القرية التي كان أهلها يختصمون على استضافته في كل ليلة.
وأما الرودسيون فإنهم عندما حلَّ الصباح، وجدوا مكان أروج خاليا. فأدركوا أنه قد فرَّ. وعندما يئسوا من العثور على أروج راحوا يتساءلون في حيرة وقلق: “بأي وجه سنعود إلى رودس؟”
رجعوا إلى رودس والحسرة تأكل قلوبهم.وأما قسيس السفينة فقد أعلمهم بأن: “معرفة أروج بالسحر هي التي مكنته من الفرار”.

ودَّع أروج العجوز، وغادر القرية. كان يريد الذهاب إلى ميديللي. فوصل إلى أنطاليا خلال ثلاثة أيام. حيث كان هناك رجل مشهور يدعى علي رئيس، يملك سفينة من نوع “قليون”. يشتغل بالتجارة بين الإسكندرية و أنطاليا. وقد بلغته شهرة أروج رئيس.رحب بأروج قائلا:

- “أهلا وسهلا بك يا بني، إن السفينة ليست لي، بل هي سفينتك”. وبهذا صار أروج قبطانا ثانيا لسفينة علي رئيس.

في هذه الأثناء، يئست من الانتظار في بودروم، فرجعت إلى ميديللي. وعندما وصل أخي إلى الإسكندرية بعث من هناك رسالة إلى ميديللي شرح فيها مغامرته. سررت كثيرا بنجاة أخي، وخلاصه من الأسر.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة القادمة: أخي يدخل في خدمة سلطان مصر

مذكرات البحار المجاهد خير الدين بربروس رحمه الله

ترجمها عن التركية: د. محمد دراج

المقال منقول من موقع المحرر اضغط هنا للذهاب للموقع

__________________________________________________________

تعد شخصية المجاهد خير الدين بربروس شخصية أسطورية بكل المقاييس، فقد تحولت حياته إلى نوع من الأسطورة التي تتجاوز الواقع لتحلق في ما ينسجه الذهن من صور متناقضة من البطولة أو الإرهاب بلغة هذه الأيام. إن مجرد ذكر اسم هذا المجاهد البطل حتى تمتزج الأسطورة الخارقة والخيال الجامح بالحقائق التاريخية فهو عند المسلمين محرر نصر المستضعفين في العديد من الدول خاصة في سواحل شمال افريقيا وجنوب اوروبا وهو بالنسبة للأوروبيين قرصان مارد تكبدوا على يديه خسائر فادحة في الأرواح والثروات.

الكتاب الذي سنقوم بترجمته ونشره في حلقات عبر جريدة المحرر، عبارة عن مذكرات أملاها البحار التركي خير الدين بن يعقوب باشا الشهير بلقب ” بربروس”(1) على زميله البحار الأديب الشاعر ” سيد علي المرادي ” بناء على طلب من السلطان العثماني الكبير سليمان القانوني.

وتوجد نسخ مخطوطة للكتاب بمكتبة جامعة إسطنبول، ومكتبة طوب كابي سراي بإسطنبول. كما ترجم الكتاب إلى الفرنسية، والأيطالية، والانجليزية، والإسبانية.

وقد نشر ابتداء من القرن التاسع عشر الميلادي ولكن بتعديلات كبيرة. وصدر الكتاب بأسماء مختلفة وبتعديلات كبيرة وبأسماء عديدة ومنسوبا إلى غير ممليه أو كاتبه وإنما إما باسم ( مؤلف مجهول ) أو بأسماء من ترجموه إلى اللغات الأخرى. فبدت النسخ المترجمة إلى تلك اللغات وكأنها لا صلة تربطها بالكتاب الأصلي. كما أجريت حول المذكرات دراسة أدبية في جامعة سلجوق بقونيا ( تركيا ) في قسم الأدب الإسلامي التركي باسم : خير الدين بربوس ومذكراته.

قام الباحث التركي أرتوغرول دوزداغ بتحويل الكتاب إلى قصة ملحمية محتفظا بنفس العنوان (غزوات خير الدين بربروس). كما قامت القيادة العامة للبحرية التركية بنشرالمذكرات باللغة التركية الحديثة مع تعديل بسيط في صياغتها. أما المؤرخ التركي يلماز أوز تونا فقد قام بتهذيبها ونشرها باللغة التركية الحديثة في مجلة الحياة التاريخية عام 1967. قبل أن يعيد نشرها كاملة في كتاب عام 1995.

وقد قمنا باختيار النسخة المهذبة التي نشرها الأستاذ أوز تونا لكونه لم يتدخل في النص الأصلي إلا بشكل بسيط جدا حسبما ذكره هو بنفسه. فحافظ بذلك على روح النص الأصلي بما يسمح للقارئ أن يعيش في الجو الفكري والنفسي الذي كتبت فيه تلك المذكرات.

من جهتنا لم نقم بأي تدخل في أصل المذكرات. بل قمنا بترجمتها كما هي ماعدا بعد التحويرات اللغوية البسيطة للمحافظة على الانسياب اللغوي العربي.

وسأكون سعيدا بأي ملاحظة يتفضل الإخوة القراء بإبدائها، أو استفسار يتعلق ببعض الأسماء، أو الأماكن، أو المصطلحات، أو الحوادث التي ترد في المذكرات لكي أقوم بتوضيح ما يلزم توضيحه.

آمل أن أكون بنشر هذه المذكرات قد ساهمت بإضافة قطرة إلى بحر الجهود المخلصة التي يبذلها الكثير من الجنود المجهولين الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا.

بدأت إملاء مذكراتي بأمر من السلطان سليمان القانوني

في أثناء اتصالي بالسلطان سليمان خان بن سليم خان، ورد عليّ فرمان سلطاني، هذا نصه :

“كيف خرجت أنت وأخوك أروج من جزيرة ميديللي، وفتحتم الجزائر ؟ ما لغزوات التي قمتم بها في البر والبحر حتى الآن ؟. دوّن كل هذه الحوادث بدون زيادة أو نقصان في كتاب. وعندما تنتهي أرسل إليّ نسخة لأحتفظ بها في خزانتي “.

عندما استلمت هذا الأمر، استدعيت أحد أرباب القلم، زميلي في الكثير من غزوات البحر “المرادي”، وأخبرته بفرمان السلطان. فبدأنا على الفور في التدوين. أنا أملي، و” المرادي ” يكتب :

استقرار أبي يعقوب آغا في ميديللي وزواجه بأمي

عندما فتح السلطان محمد الفاتح جزيرة ميديللي، أمر الأتراك بالاستيطان في الجزيرة، فكان أبي أحد المستوطنين الأوائل، كما كان ابنا لأحد فرسان السباهية(2)، كما كان هو نفسه سباهيا أيضا. وكانت له في منطقة واردار المجاورة لسلانيك أرض إقطاع وهبت له بأمر من السلطان محمد الفاتح، عندما استقر بالجزيرة.

وهكذا، فعندما انتظمت أمور والدي من جديد، تزوج إحدى بنات أهالي الجزيرة. كان أبي أنيقا شجاعا. أنجبت له أمي أربعة أخوة هم : إسحاق الذي كان أكبر إخوتي، ثم أخي أروج، ثم أنا خضر، ثم إلياس. مدّ الله في عمر الجميع، ورزقهم النصر.

كان أخي إسحاق مقيما في قلعة ميديللي. أما أنا وأخي أروج فقد كنا مولعين بركوب البحر. اقتنى أخي أروج سفينة، وانطلق بها للتجارة في البحر، بينما اتخذت أنا مركبا ذا 18 مقعدا. كنا في البداية نتنقّل بين سلانيك وأغريبوز، نجلب منهما البضاعة، ونبيعها في ميديللي. إلا أن أخي أروج لم يقتنع بهذه الأسفار القريبة. إذ كان يرغب في الذهاب إلى طرابلس الشام. وذات يوم غادر ميديللي مع أخي الصغير إلياس، متوجهين إلى طرابلس.

وقوع أخي عروج أسيرا في أيدي كفار رودس ومكوثه عندهم بضع سنين

لم يتمكن أخي أروج من الوصول إلى طرابلس الشام، فقد صادف في طريقه سفن فرسان جزيرة رودس، واشتبك معهم في معركة كبيرة، سقط على إثرها أخي إلياس شهيدا، رحمه الله. بينما استولى الكفار على السفن، وأخذوا أروج أسيرا بسفينته إلى رودس مقيدا بالسلاسل. عندما وصل الخبر إلى ميديللي، حزنت وبكيت عليه كثيرا. لكنني شرعت في الحال أبحث عن سبيل لإنقاذ أخي.

كان لي صديق كافر يدعى كريغو يقوم بالتجارة مع جزيرة رودس. أخذته معي في سفينتي، وقدمت به إلى بدروم، وقلت له :

- “اليوم تتبين الصداقة. خذ هذه ال: 18.000 أقجة(3)، وأعنِّي على إنقاذ أخي. اذهب إلى رودس، وانظر الأمور هناك. وسوف أنتظرك في بودروم “.
- كريغو: “على الرأس والعين”، قال ذلك، ثم مضى إلى رودس. وهناك قابل أخي أروج رئيس وقال له :
- “أخوك خِضر يسلم عليك، ويدعو لك كثيرا. وهو في غاية الحزن عليك بسبب وقوعك أسيرا في أيدي الكفار. ولا يكاد يكف عن البكاء عليك ليلا أو نهارا. وقد أرسلني إليك. وهو الآن في بودروم ينتظر أخبارا سارة عنك “.
عندما سمع أروج ذلك من كريغو بكى من شدة الفرح، وقال له :
- “سلّم على أخي خضر. يجب أن لا يعلم أحد سبب قدومك إلى الجزيرة، وسنلتقي في أول فرصة تتاح لنا “.

كان أروج رئيس يعرف في رودس رجلا مشهورا يدعى : سانتورلو أوغلو. كان يأتي أحيانا لرؤية أخي أروج، ويتفقد أحواله. قال له أخي يوما :

- “إن فرسان رودس لن يبيعوني لأخي خضر، لكنهم ربما يبيعونني لك. فإن هرّبتني من الجزيرة، فإنني سوف أؤدي لك ديْنك في المستقبل”.
سانترلوأغلو:
- “بكل سرور، إذا باعوك فإنني سأشتريك، لكني إذا طلبت منهم ذلك مباشرة فإنهم سيشتبهون في الأمر. والأفضل أنك عندما تنزل إلى المدينة ذات يوم تظاهر بمرورك على دكاني، ولكن إيّاك أن تنظر إلى الدكان مباشرة لئلا يعلموا بأني أعرفك. سأتظاهر بأني أراك صدفة عندما تكون مارا، وأعبّر لهم عن إعجابي بك، وأرجو الفرسان أن يبيعوك لي “.

عندما سمع أروج هذه الكلمات سُرّ كما لو صار طليقا. كم كانت حياة الأسر أليمة بالنسبة له.

في أحد الأيام، كان سانتورلو أغلو جالسا أمام الدكان يتبادل أطراف الحديث مع فرسان جزيرة رودس، وإذا به يرى أروج رئيس مارّا أمام الدكان، كأنه يريد الذهاب إلى الخدمة. فقال لمن معه من البحارة :

- “لمن هذا الأسير الذي يغدو ويروح. أراه دائما يمرّ من هنا يخدم بحيوية ونشاط. لو يقبل صاحبه بيعه لاشتريته “. عندئذ قال أحد القباطنة :
- “أنا صاحبه، إذا تريد شراءه أبيعه لك ؟ “.
- “كم تريد ؟ “.
- ” أرد ألفا من الذهب “.
- ” هذا مبلغ كبير “.
- ” حسنا، أتركه لك بثمانمائة “.
وقبل أن تتم عملية البيع، أُلغيت الصفقة. فقد علم الفرسان بأن أروج تاجر معروف. وقالوا :
- ” إن أخاه خضر رئيس في بودروم، وهو مستعد لدفع 10.000 ذهبا. وإذا كانت قيمته تساوي :10.000 هل يمكن أن يباع ب: 800 ؟ “.

أعادوا لسانتورلو أوغلو ماله، واستعادوا أروج. لقد علموا قيمته الحقيقية من كريغو، الذي كان قد احتال عليَّ في ال: 18.000 التي دفعتها له، وأعلم الفرسان باستعدادي لإنقاذ أروج.

وعلى إثر هذه الحادثة، ألقى الرودسيون أروج في زنزانة تحت الأرض، لكي لا أجد أيَّ حيلة تمكنني من إنقاذه. وجعلوا يعذبونه أكثر من ذي قبل. وضعوا الأغلال في يديه ورجليه وعنقه. إلا أنهم كانوا يعطونه من الطعام ما يسدّ به الرمق.

لم يتمكن اروج من تحمّل هذا العناء كثيرا. فطلب مقابلة ضابط الزنزانة التي حُبس فيها. فأذن له في ذلك. وعندما خرج سأله الضابط :

- ” لماذا جئت ؟ “.
- ” ما لذي تريدونه من وراء هذا الإيذاء الذي تلحقونه بي ؟ “.
- ” اعلم أيها التركي : كيف تحاول إنقاذ نفسك بدفع 800 ذهبا. إن أخاك خير الدين رئيس ينتظر إنقاذك بمال الدنيا في بودروم. فهل تظن أنه لا علم لنا بذلك ؟ أم تظن أننا حمقى ؟ “.
- ” كم تريدون أن أدفع لكم، لإطلاق سراحي ؟ “.
- ” وأنت، كم تدفع ؟ كم تقدر نفسك ؟ “.
- ” أنا أقدّر نفسي بجميع محصول الروملي من الشعير، وجميع المصاريف اليومية التي تدفع في الأناضول، بالإضافة إلى 100.000 ذهبا، أدفعها لكم ” !!!!.
- ” أيها المجنون ؛ استمر في سخريتك وتهكمك. سوف ترى كيف تكون عاقبتك “.
بعد هذه المحاورة، أمر الضابط الحانق رئيس السّجّانين بمعاملة أروج أسوأ مما كان يعامله من قبل. انزعج أروج كثيرا من هذا الوضع. وفي إحدى الليالي كان يبكي، ويدعو في زنزانته وحيدا :
- ” يا رب : أنت الذي تهب الفرَج للعاجزين، فأغث عبدك الضعيف بجاه حبيبك صلى الله عليه وسلم، وعجّل إنقاذي من ظلم هؤلاء الكافرين “.
قضى أروج تلك الليلة يدعو في ذِلَّةٍ وانكسار، حتى سقط في الحمأة، وغلبه النوم من شدة التعب. فرأى في منامه شيخا مشرق الوجه يقول له :
- ” يا أروج : لا تحزن بسبب ما أصابك من الأذى في سبيل الله ؛ فإن خلاصك قريب “.
استيقظ أروج في غاية السرور لهذه الرؤيا، وقد تلاشت همومه، وانشرح صدره. وفي ذلك الصباح، اجتمع كل قباطنة رودس. كانوا يتحدثون عن أمر أروج.فقال أحدهم :
- ” إن أعمال البحر ليست ثابتة. اليوم أروج، وغدا نحن. أرى أن الاستمرار في إيذاء هذا التركي ليس صوبا “.
وعلى هذا فقد قرروا إخراج أروج من الزنزانة، وربطه في إحدى السفن حيث صار أسيرا جذافا بها. ومع هذا فقد كان يقول :
- ” إن العمل في الجذف على سطح البحر نعمة بالنسبة لمن رأى الأذى تحت الأرض. يا رب لك الحمد، فقد رأيت وجه العالم “.

الحلقة القادمة: فرار أخي عروج من سفينة فرسان رودس ونجاته
________________________________________
* للتواصل: istanbul2005_4@hotmail.com
(1) بربروس = اللحية الحمراء
(2) السباهي : اصطلاح يطلق على الفرسان الذين كانوا يستفيدون من أراضي الإقطاع التي كانت تمنح لبعض العسكريين مقابل دفع ضريبة الخراج لخزينة الدولة، والمساهمة في نفقات الحرب مع الاشتراك في الحرب بنفسه عند الحاجة إليه.انظر :M. Zeki Pakalın , Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri Sözlüğü. c. III. s. 230. M.E.B. İstanbul: 1993
(3) أقجة : تعبير يطلق على العملة الفضية التي كانت مستعملة في عصر خير الدين بربروس. انظر:Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri sözlüğü. c. III. s. 31

الخميس، 18 يونيو، 2009

بلاس إنفانتي وبعث الهوية الأندلسية في جنوب اسبانيا

كتب المقال د. علي الكتاني**

صورة المجاهد بلاس انفنتي

ولد بلاس إنفانتي في بلدة قشريش (مقاطعة مالقة) في 5-7-1885، من أبوين أندلسيين، ينتميان لعائلتين سليلتين للمورسكيين القدماء، عمل أفرادهما على الدفاع عن الأندلس وأهلها، فتلقى دراسته الابتدائية في بلدته، ثم انتقل سنة 1896، إلى أرشذونة (مقاطعة مالقة) لدراسة الثانوية، ثم إلى قبرة (مقاطعة قرطبة) سنة 1897، حيث تخرج سنة 1900 بشهادته الثانوية، ثم عمل مع أبيه في محكمة قشريش، قبل التحاقه بقسم الحقوق، من كلية الفلسفة والآداب بجامعة غرناطة، حيث تخرج بامتياز في أكتوبر سنة 1906.
اللقاء بالهوية الأندلسية
تعرف إنفانتي إبان مقامه في غرناطة على التراث الإسلامي الأندلسي، وأخذ شعوره الفطري شكل الهوية الإسلامية الأندلسية، وفي تهيئة لمباراة العدالة، زار إنفانتي إشبيلية وقرطبة ومجريط، واجتمع بزعماء الحركة الأندلسية، وأصبح يعتقد أن الهوية الأندلسية ليست هوية عرق أو دم، لكنها هوية (وجود) و(معرفة). وفي سنة 1907 زار إنفانتي إشبيلية فوجد فيها نشاطًا فكريًّا كبيرًا: جمعيات شباب لدراسة تاريخ الأندلس، و"ألعاب وردية" تلقى فيها الخطب الحماسية الأندلسية. وفي سنة 1909، تحولت هذه الألعاب إلى احتفال قومي أندلسي.
وفي سنة 1910 عُيِّن إنفانتي عدلاً في بلدة قنطيانة، فسكن إشبيلية القريبة منها، وأصبح ينتقل بين البلدتين، تأثر إنفانتي في إشبيلية بمفكريها الأندلسيين، وساهم في أنشطتهم الثقافية، وفي 28-11-19، قُبِل إنفانتي في مجلس المحامين، وفي 23-3-1914، ألقى خطابًا في "أتينيو" إشبيلية عن "النظرية الأندلسية" كان أساس كتابه التاريخي عن القومية الأندلسية، وفي نفس السنة فتح مكتب محاماه في إشبيلية، وفي سنة 1914، ظهرت الطبعة الأولى من كتابه "النظرية الأندلسية".
وفي سنة 1916 أسس إنفانتي أول "مركز أندلسي" في إشبيلية، تبعه مراكز أخرى في مدن الأندلس وقراها، وأصدر مجلة "الأندلس" كلسان حال للمراكز الأندلسية، والحركة القومية الأندلسية، ومع الأيام تحول "مركز إشبيلية" الأندلسي إلى مركز أنشطة أندلسية، تثقيفية وتخطيطية، ومنه خرج المنشور الداعي إلى "اجتماع المقاطعات الأندلسية" في رندة، الذي استعمل عبارة "الأمة الأندلسية" لأول مرة، وهكذا أصبح إنفانتي بأفكاره وحركته، رئيس تيار جديد للحركة القومية الأندلسية.
قيادة الحركة القومية الأندلسية
وفي 16-6-1917 ألقى إنفانتي بصفته رئيس "مركز إشبيلية الأندلسي" محاضرة أساسية أعطت لأفكاره نضوجًا ثوريًّا، صرح في آخرها قائلا: "نحن لسنا بصدد إنشاء حزب، نحن نريد إنشاء شعب قادر على أن يحكم نفسه بنفسه". وفي -1-1918 انعقد اجتماع "مجلس المقاطعات الأندلسية" في رندة، فعدد معالم القومية الأندلسية في حركتها المستقبلية في النقاط التالية:
1- الاعتراف بالأندلس كبلد، وقومية، ومنطقة ذات حكم ذاتي ديمقراطي، على أساس دستور أنتقيرة.
2- اختيار العلم الأخضر والأبيض، علمًا للأمة الأندلسية، ورمز قادس شعارًا لها.
ثم تقدم بلاس إنفانتي، وخوزي أندرس باسكس، باسم المؤتمر، لهيئة الأمم طالبين منها الاعتراف بالقومية الأندلسية، ودخل إنفانتي اللعبة السياسية للتعريف بأفكاره القومية الأندلسية، فتقدم لانتخابات منطقة غسان، أشتبونة (مقاطعة مالقة) حيث توجد قشريش، لكنه لم يفز.
وفي 1/1919، شارك إنفانتي في اجتماع "المجلس الإداري الأندلسي" التأسيسي، الذي انتهى بالاتفاق على "تخطيط نظري للقومية الأندلسية" وكان له تأثير هام على مجرى الفكر القومي الأندلسي، وفي نفس السنة تزوج إنفانتي.
وفي 21-5-1919 تقدم إنفانتي لانتخابات إشبيلية باسم (الديمقراطية الأندلسية) المكونة من الجمهوريين الاتحاديين، والقوميين الأندلسيين، والاشتراكيين المستقلين، وندّد في خطبه الانتخابية بوضع الأندلس البئيس، وبمصالي (خدع وحيل) القوى المركزية التي كانت تقرر من مجريط، مجرى الانتخابات بالأندلس، عبر نفوذها المالي والإقطاعي، ورسب إنفانتي مرة أخرى في المحاولة الانتخابية، فغضبت عليه السلطة الحاكمة واليمين، واتهموه وأتباعه بالتآمر على أمن الدولة ووحدتها، ثم أسّس إنفانتي في إشبيلية دار ومكتبة "أبانتي" (التقدم) للنشر، نشر فيها عددًا من كتبه، كما أسس "مركز الدراسات الأندلسية"، وفي سنة 1920، ظهر كتاب "المعتمد ملك إشبيلية" وهي قصة مسرحية تاريخية عرف فيها إنفانتي بجذور الهوية الأندلسية الإسلامية.
وكانت سنة 1921 سنة أمل للقوميين الأندلسيين، رغم الأوضاع المضطربة في مجريط، فانتشرت "المراكز الأندلسية" في المدن والقرى، وانتشر معها الفكر الأندلسي في المجالات الثقافية والاجتماعية، وأخذ إنفانتي يفكر في إنشاء روابط ثقافية قوية، تربط الأندلسيين بعضهم ببعض، في الأندلس، والمغرب، وأمريكا الجنوبية، لكن في -1-1923، تحولت أسبانيا إلى الحكم الدكتاتوري الذي قضى على الحريات، وأغلق "المراكز الأندلسية"، واتهم القوميين الأندلسيين بمقاومة الدولة، وأسكت القوى المعادية للكنيسة.
فانتقل إنفانتي، تحت ضغط عائلته، إلى أيسلا كريستينا (مقاطعة ولبة) كموثق عدل، وانسحب من العمل السياسي، ونصح أتباعه بذلك، ثم ركز على التفكير في مصير الأندلس، وجذور الهوية الأندلسية.
وفي 15-9-1923 في ذروة معارك الريف ضد المستعمر الأسباني، زار إنفانتي قبر المعتمد بن عباد في أغمات بالمغرب، حيث تعرَّف على بعض أبناء الأندلس، فقرر إشهار إسلامه على أيديهم، ثم حاول بعد إسلامه ربط الحركة الأندلسية بالحركات الإسلامية والعربية.
وفي سنة 1930 انهارت الدكتاتورية، فنقل إنفانتي عمله كموثق عدلي إلى بلدة قورية بالقرب من إشبيلية، وفي سنة 1931 أسس "مجلس الأندلس التحرري" عوضًا عن المراكز الأندلسية القديمة، وانضم إلى "الحزب الجمهوري الاتحادي" وأصبح إنفانتي يمجد التاريخ الإسلامي كأساس الهوية الأندلسية، ويطالب الأندلسيين باستعادة الهوية والتاريخ والأرض، وبإزاحة هيمنة الكنيسة على الدولة، ويهاجمها على جرائمها في القضاء على الأندلسيين، وعلى "زهرة ما تبقى من ثقافتنا".
ثم التقى إنفانتي بالحركات التحررية العربية عبر مجلة "الأمة العربية" في جنيف (سويسرا) التي كان ينشرها الأمير شكيب أرسلان، وإحسان الجابري.
الاستشهاد
هذه أفكار إنفانتي والقوميين الأندلسيين الواضحة بعد عشرينيات القرن العشرين الميلادي، هوية الأندلس إسلامية، وليست غربية، وهو ما دفع أعداءهم إلى رميهم بالاتهامات المتواصلة، فحوربت الحركة من طرف اليمين واليسار على حد سواء. وفي يوم الأحد 2-8-1936، بعد 14 يومًا من انفجار الحرب الأهلية الأسبانية، هجمت فرقة من الكتائب على إنفانتي في بيته "دار الفرح" بقورية، وساقته إلى إشبيلية، حيث سجنته، وأعدمته رميًا بالرصاص يوم الإثنين 10-8-1936، فمات شهيدًا رحمه الله، وهو يصرخ مرتين: "عاشت الأندلس حرة!".

**مؤسس ورئيس جامعة ابن رشد الإسلامية في قرطبة حتى وفاته عام 2001 منقول من احد المواقع المهتمة بالاندلس المفقود

الفاشية الناعمة وصناعة الرأي العام و صناعة الالحاد و التحكم في الراي العام الغربي


بقلم : محمد يوسف عدس

مستشار سابق بهيئة اليونسكو- لندن

عندما قامت الثورة البلشفية في روسيا ساد الاعتقاد بأن هذه الثورة سوف تجتاح العالم من الأورال إلى أوروبا الغربية ثم تمتد في زحفها إلى أمريكا الشمالية .. ولكن هذا الحلم الشيوعي لم يتحقق ، وشرع المفكرون الشيوعيون يبحثون عن أسباب ذلك ، وكان على رأس واحدة من لجان الدراسة رجل اسمه "جورج لوكاس" .. كان أرستقراطيا من أصل مجري ، وكان أبوه من كبار رجال البنوك في إمبراطورية "هابسبرج" قبل أن تندثر .. تعلم "لوكاس" في ألمانيا حتى أصبح منظراً مشهوراً ، واعتنق الشيوعية خلال الحرب العالمية الأولى ، وقد نُسب إليه المؤرخون أنه كان يروّج لفكرة التعليم الجنسي في المدارس وتسهيل الحصول على وسائل منع الحمل وتيسير قوانين الطلاق .. وكان من الطبيعي أن تتصادم هذه الأفكار مع قيم الشعب المجري وعقائده ، فهو شعب كاثوليكي متمسك بدينه ، ومن ثم ثاروا عليه ، مما اضطره إلى الهرب سراً إلى ألمانيا سنة 1922 ، وهناك التقى بمجموعة من علماء الاجتماع والمفكرين الشيوعيين ، وأسس معهم (معهد البحث الاجتماعي) .

مدرسة فرانكفورت :

استطاع معهد البحث الاجتماعي خلال عقد واحد من الزمن أن يصوغ منظومة فكرية نفسية لمحاربة الرأسمالية الغربية ، الأفكار الأساسية في هذه المنظومة تدور حول خلق مجتمعات انعدمت فيها الشخصية الفردية والروح الإنسانية ، لتحلّ محلها فكرة الطبقة والمجتمع .. في هذه المجتمعات تتوارى فكرة الألوهية ليصبح الشيطان هو الحاكم الأكبر .. فإذا سيطرت القوى الشيطانية تحركت نزعات العنف الكامنة في نفوس البشر كمقدمة لانطلاق الثورة الشيوعية .

حول هذه الأفكار نشأ ما يُسمى في تاريخ الفكر الغربي "مدرسة فرانكفورت" التي تزعمها "جورج لوكاس" .

كانت مهمة مدرسة فرانكفورت تتركز في محاولة تدمير التراث والثقافة (المسيحية اليهودية) لصالح ثقافة جديدة تعمق شعور الناس بالاغتراب وتكشف عوامل الغضب والعنف .. وبذلك تخلق بربرية جديدة تمزق الإطار التقليدي للثقافة الغربية .

العجيب في الأمر أن الغواية المتمثلة في هذه الأفكار استهوت إلى جانب الشيوعيين شخصيات أخرى من الاشتراكيين غير الشيوعيين ، وعناصر من المتطرفين والصهاينة بل اجتذبت إليها بعض غلاة الرأسماليين الغربيين .

كان تمويل هذا المعهد يأتي فقط من الكومنترن الشيوعي ولكن بعد ذيوع شهرة مدرسة فرانكفورت أصبح التمويل يأتي من جهات أخرى أيضا ، منها جامعات ألمانية وأمريكية .. ومؤسسة روكفلر وشبكة كولومبيا للإذاعة ولجنة اليهود الأمريكيين والمخابرات الأمريكية ، ومكتب الممثل الأمريكي في ألمانيا ، وغير ذلك من المؤسسات والمنظمات المعنيّة بأساليب السيطرة على البشر .

وأمام هذه الحالة التي اختلط فيها الحابل بالنابل أبدى ستالين تأففه واعتبر أن الأمور بلغت حد المسخرة ، فاعتقل "لوكاس" وجعله يعتذر ، ثم سجنه خلال فترة الحرب العالمية الثانية باعتباره أحد المتعاطفين مع العدو الألماني .. ولكن "لوكاس" عاش بعد ذلك ليشهد ثورة المجر على الاتحاد السوفيتي سنة 1956 وأصبح وزيراً في حكومة إمري ناجى .. ولكن الأمر لم يستمر طويلاً فقد جاءت دبابات الجيش السوفيتي لتسحق الثورة المجرية .

شخصيات وتوجهات :

من الشخصيات الهامة في مدرسة فرانكفورت يبرز اسم "هربرت ماركيوز" الذي تحول إلى النازية ، ثم رحل إلى الولايات المتحدة ليصبح كبير محللي وزارة الخارجية الأمريكية للسياسات السوفيتية في عهد "مارثي" ، ثم انتقل مرة أخرى ليصبح من أكبر اليساريين الجدد ، ثم أنهي حياته بالمساعدة في إنشاء حزب الخضر (أنصار البيئة) في ألمانيا الغربية .

ولكن يبدو أن أهم شخصيتين اشتهرتا في مدرسة فرانكفورت هما "ثيودور أدرنو" و"ولتر بنجامين".

نلاحظ في جميع هذه الشخصيات أنها تتوحد في سمات مشتركة ، فهم جميعا متقلبو المزاج ، مصابون بقلق عارم ورغبة شيطانية في إحداث انقلاب في المجتمعات البشرية عن طريق السيطرة النفسية والفكرية على الإنسان ، ولديهم جميعا نزعات إلحادية متطرفة ، ولكنهم لا يشتركون بعد ذلك في أيديولوجية واحدة ، ومن ثم نراهم متقلبين في ولاءاتهم بين الشيوعية والرأسمالية والنازية والصهيونية .. كان "ولتر بنجامين" مثلا صهيونيا عاشقا لإسرائيل .

لعل أبرز نجاحات مدرسة فرانكفورت أنها استطاعت تطوير الإعلام الإليكتروني (الراديو والتليفزيون) ليصبح أداة قوية وفعالة للضبط الاجتماعي ، ويرجع الفضل في ذلك إلى كل من "ثيودور أدرنو" و"ولتر بنجامين" .

الإلهام الفني والإلحاد :

ترى مدرسة فرانكفورت أن يجعل المثقفون في عصر الرأسمالية الحديثة هدفهم الأساسي هو القضاء على العقيدة التي كانت سائدة في الثقافة الغربية على مصدر "الإلهام الفني"، فقد كان الاعتقاد السائد هو أن الفن ينبع من الوعي الذاتي للفنان بالمثال الإلهي الخالق .. بمعنى أن الفن إنما هو إلهام روحي مصدره الإيمان الديني .. ومن ثم يرى "ولتر بنجامين" أن على النخب المثقفة أن تقوم بعرض الفن والتحدث عنه باعتباره نتاجا أو إلهاما ماديا أنثروبولوجيا، ناتجا عن تأثيرات مادية على العقل كتأثير الحشيش والأفيون على المخيلة الإنسانية .. في نفس الوقت لابد من إيجاد أشكال جديدة تعمق الشعور بالاغتراب حتى يؤمن الناس أنهم بغير الاشتراكية سيعانون التعاسة .. إنها ثقافة لا تربط الإنسان بالأيام السعيدة البائدة ، ولكن بالأيام التعيسة الحاضرة .

بذلك يستطيع الفن الحديث تدمير الفن البرجوازي .. وينزع الإنسان من عقيدته الإلهية .. يرى "ولتر بنجامين" أن الاختيار الوحيد في الإبداع هو الثورة السياسية ، وأن برمجة اليأس الإنساني بهذه الطريقة تعنى طرد الباعث الأخلاقي من السياسة .

كمثال على تطبيق هذه البرمجة في الواقع رأينا "ولتر بنجامين" يحث ويتعاون مع "بريخت" الكاتب المسرحي المشهور في تطبيق هذه النظرية .. وهكذا شرع "بريخت" يسخّر مواهبه الإبداعية للتأثير على المشاهدين بحيث يتركون المسرح في حالة من اليأس والغضب الذين لا هدف لهما .

وكانت تحليلات بنجامين وأردنو تمثل الأساس النظري لكل الاتجاهات السياسية الإلحادية التي انتشرت كالوباء في الجامعات الغربية مما دفع صحيفة "واشنطون بوست" للقول بأن "ولتر بنجامين" هو أنه أعظم منظّر أدبي ألماني في هذا القرن .

بشّر بنجامين وأدرنو ببعض الاستنساخ الميكانيكي للفن .. وجعلا هدف الفن متركزاً في التسلية بدلاً من الإمتاع .. العجيب أن هذه التوجهات استهوت كل الأنظمة على اختلاف انتماءاتها الأيديولوجية : فقد استفادت بها البلشفية الروسية ومارستها ، بنفس القدر الذي استفادت بها الرأسمالية الغربية ومارستها .

هناك شخصيات أخرى في مدرسة فرانكفورت يرون أن الأسرة الحديثة بنظامها الأبوي دليل قاطع على الاتجاهات الاستبدادية في المجتمع .. وأن النظام الأمومي هو الذي يمثل التقدم المطلوب للمجتمع .. وقد رصدوا لهذا التقدم سبعة مؤشرات من أبرزها : ثورة النساء ، وتحرير المرأة ، وثورة الأطفال والمراهقين (استنادا إلى نظرية بنجامين و"سْبوك" وآخرين) للسماح للأطفال بتعاطي عقار الهلوسة تعبيراً عن تمردهم على المجتمع .. وظهور حركة الشباب الراديكالي متمثلة في حركة الهيبيز وغيرها من حركات التمرد .. والعلاقات الجنسية الجماعية .. وبناء أسر (سايبة) على أسس اجتماعية وقانونية رخوة .. وإشاعة (موضة) الملابس والسلوك الموحد للجنسين .. وأخيراً ترويج فكرة جنة المستهلك .. وهي فكرة خطيرة على عقل الإنسان وسلوكه : ففي هذه الرؤية ينتهي دور الأم الطبيعية نهائيا ويبرز دور الأم التكنولوجية التي تتولى رعاية الأطفال وتهددهم بسيل لا ينقطع من الإعلانات المتلفزة .. في هذه العملية يتحول الإنسان عاطفيا إلى طفل يلتمس الأمن في صدر أمه الحنون الذي يمدّه بفيض لا ينقطع من اللبن ، وبذلك تنعدم الحاجة إلى جهد الإنسان في اتخاذ قراراته اليومية بنفسه ، لأن أمه الإعلانية تتولى عنه هذا العبء الذي لم يعد له لزوم .

سي السيد :

وقد اخترعت مدرسة فرانكفورت صورة الشخصية المستبدة أو ما يمكن أن نسميه (سي السيد) كسلاح لاستخدامه ضد خصومها السياسيين ، والتضليل هنا قائم على افتراض أن تصرفات الشخص في حد ذاتها ليست هي التي يُعوّل عليها في الحكم وإنما مدى تطابق هذه التصرفات على المثل أو النموذج الذي ترسمه مدرسة فرانكفورت .

كان هذا النموذج للمستبد هو المناوئ للثورة البلشفية .. فغير الثوريين هم المستبدون حقاً ، وهؤلاء كان من الواجب إعادة تعليمهم في معسكرات الاعتقال البلشفية ، ثم تغير هذا النموذج تحت تأثير الجماعات الصهيونية الأمريكية ومؤسسة روكفلر فأصبح المستبد هو "اللاسامي" ولكن - في حقيقة الأمر- كان هذا مجرد عنوان الكتاب ، أما الهدف الحقيقي فقد كان قياس مدى انتماء الشخص للمعتقدات الغربية أو بمعنى آخر الثقافة الغربية العلمانية ، على هذا الأساس يتم تشخيص الحالة وبالتالي تحديد ما إذا كان صاحبها استبداديا متسلطا ومن ثم تتم إدانته.

هذه الخلفية الفكرية هي التي تلعب اليوم دوراً خطيراً في تحييد المسلمين الأوروبيين وعزلهم وتوجيه الاتهامات ضدهم .. وتعميم هذه الأحكام التعسفية على كل المسلمين في العالم تبريراً لمواصلة "الحرب على الإرهاب".

وهكذا رأينا أن المعايير والقوالب التي خلقتها مدرسة فرانكفورت التي نشأت في حضن الكومنترن الشيوعي هي نفس المعايير والقوالب التي استخدمتها الولايات المتحدة لتحديد من هم أعداؤها منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم ، مع تغيير بسيط في التسمية .. فبدلا من "المستبد" جاء مصطلح "الإرهابي المسلم".

ماركيوز والثورة الجنسية :

في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين شرعت أجهزة الاستخبارات الأمريكية المركزية تجرى تجارب واسعة النطاق على تأثيرات أقراص الهلوسة التي عُرفت باسم (LSD) في عملية السيطرة على البشر ... وقد تبين من هذه التجارب أن تعاطي هذا العقار يجعل الضحية شخصية معادية للمجتمع ... أناني متمركز حول ذاته .. مبالغ في تضخيم الأمور .. فاقد الشعور بالوقت .. فهو في حالة (توهان) عميقة .. وباختصار يكتسب سمات الشخصية التي وصفتها نظريات مدرسة فرانكفورت ، ولكن الذي حول نظريات مدرسة فرانكفورت إلى ثورة في ستينيات القرن العشرين هو كتاب "ماركيوز" بعنوان (Eros and Civilization) نُشر عام 1955 بتمويل من مؤسسة روكفلر .. زعم ماركيوز في كتابه هذا أن الأمل الوحيد للإنسان لكي يفلت من سطوة المجتمع الصناعي هو تحرير غريزته الجنسية وإطلاقها لتتمرد على عقلانية التكنولوجيا .. وهذا الترويج لفكرة أن الحياة إنما هي مجموعة من شعائر جنسية لم ينقطع، بل ظلت الفكرة تتعمق وتتجذر في المجتمعات الغربية إلى يومنا الحاضر .. وقد هيمن تلاميذ ماركيوز وأدرنو بصفة مطلقة على الجامعات حتى اليوم .. بحيث إنك لا تجد كتاباً إلا فيما ندر - سواء في الفنون أو الآداب أو اللغة لا يعترف بشكل صريح بأنه مدين لمدرسة فرانكفورت .

هال بيكر وغزو العقول :

"هال بيكر" خبير إعلامي في الإدارة أو قل بالأحرى التلاعب بعقول مديري المؤسسات والقادة السياسيين .. أنشأ سنة 1981م برنامجاً لوزارة الخارجية الأمريكية يعتمد على استخدام صور بالكمبيوتر لغسيل عقول قادة قطاعات التنمية في العالم الثالث بهدف تطويعهم لقبول شروط صندوق النقد الدولي وبرامج السيطرة السكانية (تنظيم النسل!!..) .. وتهيئة هؤلاء القادة للانصياع لتوجهات الشركات متعددة الجنسيات (في العولمة والخصخصة)..

ترى كم من القادة والوزراء عندنا خضع لهذه البرامج الأمريكية ؟!..

يقول "هال بيكر" : أنا أعلم السر الذي يجعل الأمريكي العادي يؤمن بأي شيء أريده أن يؤمن به .. فقط دعني أسيطر على التليفزيون .. فأنت بمجرد أن تحبك الصورة على الشاشة حتى تتحول إلى واقع .. حتى لو كان العالم الخارجي ( أقصد خارج جهاز التليفزيون) لا يتطابق مع الصورة المتلفزة ، فإن الناس سيشرعون على الفور في محاولة تغيير العالم لكي يتطابق مع هذه الصورة المتلفزة .

وخلال خمس عشرة سنة منذ تصريح بيكر لم تعد الولايات المتحدة وحدها ، بل العالم بأسره خاضعا لسيطرة شبكات إعلامية وشبكات إنترنت ذات قدرة هائلة على غواية البشر والتأثير على عقولهم .

هذه القدرة الهائلة - كما يصفها بيكر - إنما هي عملية تلاعب محكم التدبير موجّه لخلق الرأي العام وصياغته ليتوافق سلوكه تلقائياً مع التوجهات التي تمليها القوى الحاكمة والقوى المسيطرة .

وفي النضال المتواصل لخلق عالم موحد - في عصر العولمة - يتجاوز الدولة الوطنية والثقافات الخاصة ، سنجد أن آلة الحرب النفسية الجماهيرية تحشد جهود كتاب وأطباء نفسيين في جيش واحد لخلق المحتوى المناسب لغزو العقول .. وصياغة الرأي العام .

صناعة الرأي العام :

ربما نتساءل ما هذا الرأي العام الذي يُراد صياغته ؟..

دعك من كتب علم الاجتماع أو علم النفس الاجتماعي وتعالَ لنرى كيف يعرفه صناع الرأي العام .. يقول فولتر ليبمان ببساطة وتسطيح شديدين : "الرأي العام هو الصور التي في رءوس الناس عن أنفسهم وعن الآخرين وعن احتياجاتهم وأهدافهم" .. فمن يصنع هذه الصور ؟.. والإجابة ببساطة شديدة وواقعية : إنه الإعلام المسموع والمنظور .. لاحظ أن الأشخاص الذين اكتسبوا شهرة خلال الإعلام يصبحون هم قادة الرأي العام .. من الشخصيات الرياضية والفنانين والفنانات وكل من ينصّبه الإعلام نموذجاً أو بطلاً من أبطال الرأي العام .. هؤلاء هم الذين يحددون للناس أفكارهم وأذواقهم ، بل ومواقفهم في أعقد القضايا والمشكلات السياسية .

ومن ثم يؤكد لنا "ثيودور أدرنو" المهندس الاجتماعي لمدرسة فرانكفورت "إن قدرة الأمريكيين على التفكير سوف يتم تدميرها تماما حينما تنجذب غالبتهم لقضاء وقت فراغهم أمام أجهزة التليفزيون" .. كتب أدرنو هذا الكلام في خمسينيات القرن العشرين ، وهو في غمرة حماسه بأفكاره الجديدة في السيطرة على البشر ، ولم يكن للتليفزيون - في ذلك الوقت- هذا الانتشار وتلك السطوة التي أصبحت له الآن !!.. واليوم يكشف لنا خبراء الحرب النفسية عن علم جديد غريب يطلقون عليه اسم (صناعة الضحايا (Victimology) وهو علم طوّره معهد "تافستوك" بلندن .. ويقوم على أساس نظرية أنه من الممكن إحداث حالة من الفزع المقيم للأشخاص بمواصلة تعريضهم لصور ومناظر أفلام العنف السينمائي ..

وقد تجاوزت المسألة مرحلة التنظير والتفكير الأكاديمي إلى التطبيق العملي .. فهناك الآن مؤسسات متخصصة ومراكز منوط بها اتخاذ قرارات على أساس يومي أو أسبوعي لتحديد ماذا ينبغي للشعب الأمريكي أن يعرفه ، وماذا لا ينبغي له معرفته ؟.. ماذا من الأخبار والقصص ستُعرض عليه ؟.. وماذا منها لن يرى النور أبدا ؟!..

إنها عملية تجهيل للشعب الأمريكي والتلاعب به لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية .. أسوق إليك في هذا الإطار ما سمعته من خبيرة عربية في الأمم المتحدة صرحت في لقاء لها على إحدى الفضائيات .. قالت : لقد ذهلت وأنا في إحدى المؤتمرات أن مثقفة أمريكية لم تسمع مطلقا عن شيء اسمه معتقل جوانتانامو إلا أن جوانتانامو هذه منتجع سياحي على البحر يتمتع بشمس مشرقة ودفء دائم !!.. ويقول خبير عربي في برنامج آخر : لقد هالني أن نسبة كبيرة من الأمريكيين يعتقدون أن الفلسطينيين هم المحتلون لأراضٍ إسرائيلية وأنهم هم المعتدون والمغتصبون .. ويعزو هذا إلى أن الإعلام الأمريكي قد حجب عنهم الحقائق ، ولم يسمح إلا بنشر آثار العمليات التي يطلق عليها "انتحارية" في الأراضي الإسرائيلية ، أما جرائم إسرائيل الوحشية على الشعب الفلسطيني كل يوم فلا تظهر أبداً على شاشات التلفزة الأمريكية.

عقول ميتة :

تأتي في هذا المجال دراسات مُستفيضة عن تأثير التليفزيون على الجهاز العصبي للإنسان .. وقد ظهرت لنا أن تكرار مناظر معينة في التليفزيون تسببت في إغلاق جهاز التفكير المركزي في المخ تماما .. وفي دراسات أخرى أثبتت أن الإدمان على مشاهدة البرامج التليفزيونية من شأنها إضعاف القدرة على التفكير النقدي لما يُعرض على شاشة التليفزيون ..

ويرى أصحاب هذه الدراسات أن مجرد ورود الصور على الشاشة خصوصاً إذا كانت في سياق برنامج إخباري أو وثائقي يجعل لهذه الصورة مصداقية ، ويخلع عليها شعورا بأنها هي الواقع الحقيقي .. ولم ير أصحاب هذه الدراسات ما يستوجب الاستهجان أو الاستنكار ، بل يعترفون بأن التليفزيون ينتج أجيالاً من الناس بعقول ميتة .. وأن هذا أنسب وضع لنجاح خطة كوكبية أكبر للسيطرة الاجتماعية تقوم بدراستها مؤسسة تافستوك وفروعها في العالم .

تريست وكنج (من معهد) تافستوك يحثان على شن حملة لإعادة تربية البشر لكسر آخر معاقل المقاومة الوطنية لصالح العولمة والنظام العالمي الجديد .. (في هذا السياق اقرأ كتاب إمري وتريست (Choosing a Future ) اختيار المستقبل).

الفاشية الناعمة :

في سنة 1981 قدم "برْترام جروس" ورقة إلى "مؤتمر المستقبل" أشار فيها إلى ولادة لنظام عالمي جديد .. قال : في الأيام القادمة سوف يطرح على العالم ما يسميه معهد تافستوك بـ "الاختيار الحاسم" وهو اختيار بين عدد من البدائل كلها سيئة .. ولكن بسبب الرعب الذي سيسود في ذلك الوقت وتحت ضغوط أحداث متلاحقة فسيضطر الناس إلى اختيار أقل البدائل سوء ..

وهو يرى أن المجتمع الصناعي الغربي في طريقه إلى التمزق والانفجار .. وسيؤدي هذا إلى فوضى عارمة .. تؤدي بدورها إلى ظهور نظام فاشي استبدادي .. إما على النمط الذي ظهر في ألمانيا النازية أو نظام أكثر إنسانية يمكن تسميته "الفاشية الناعمة".

ويعتقد جروس أن هذا النوع الثاني من الفاشية هو الاختيار الأفضل .. وذلك لأنه يتضمن مشاركة جماهيرية وحرية أكثر .. وسيكون هو الديمقراطية الحقيقية المتاحة لأكبر عدد من الناس .

لا يزعم جروس أنه نظام خالٍ من المعاناة والآلام .. تلك هي الفاشية الناعمة التي ستغرق المجتمعات البشرية بنظام معلومات كوني يشتمل على شبكات هائلة من تلفزة الكابلات والفضائيات والأقمار الصناعية وشبكات الحاسبات الآلية.. فمن سيدير هذه الفاشية الناعمة ؟..

يقول جروس : "إنهم نخبة عالمية مستنيرة من أبرزهم أصحاب صناعة وتكنولوجيا الاتصالات متعددة الجنسيات .. مصادر تمويلها عالمية .. وستحكم هذه النخبة كتلا هائلة من الجماهير مُستمرة ليلها ونهارها أمام شاشات التلفزة .. هذا النوع من الجماهير يمكن كسبهم بسهولة كرعايا طيبين للنظام العالمي الجديد .. وذلك عن طريق إغوائهم بالمسلسلات والبرامج المسلية .. وإغراقهم بطوفان من المعلومات والتفاصيل التي لا حصر لها لا تسبب لهم إلا الارتباك والحيرة ، ثم التبلد الذهني المزمن .. وما دمنا استطعنا كسب هذه الأعداد الهائلة من الجماهير الغائبة عن الوعي - من خلال الإعلام والتعليم - فإن المقاومة التي ستبديها الفصائل الوطنية المعارضة أو المتمردة سوف تنهار".

انتهي الاقتباس من كلام "برترام جروس" .. ويبدو أن الأمر ليس فيه "هزار" وإنما هو جدّ كل الجدّ .. ففي سنة 1989 أقام معهد تافستوك ندوة في جامعة "كيس وسترن رزيرف" الأمريكية لمناقشة أساليب تحقيق "فاشية عالمية بلا دولة" .. وفي سنة 1991 كرّس معهد تافستوك مجلة "العلاقات الإنسانية" لأبحاث هذا المؤتمر الذي ترددت في أوراقه الدعوة إلى تسخير الإعلام الجماهيري لتحقيق مشروع الفاشية الناعمة !!..

قتل المستقبل :

تساءل بعض المفكرين عن الإدمان التليفزيوني قال : تُرى ماذا سيحدث عندما يشبّ هذا الجيل من الأطفال المدمنين على مشاهدة التليفزيون ويتولى السلطة في بلادنا؟ هل سيكونون مؤهلين للقيام بهذه المهمة ؟ هل سيكونون قادرين على التفكير ومعالجة المشكلات ؟

استبعد إمري وأصحابه السؤال من أساسه بحجة أنه سيكون هناك وقت كافٍ لتدريبهم على الحكم !!.. ولم يبق السؤال معلقا بلا إجابة شافية حتى جاء "لينتز" .. وكان أستاذاً في جامعة ولاية بنسلفانيا .. جاء ليحذّر الأمة بأن مستقبلها كارثي ، فقد لاحظ خلال دراسته لمهارات القراءة والكتابة عند الطلاب أن الإعلام الجماهيري والتليفزيون بصفة خاصة قد دمّر هذه المهارات تماما ، فلم يعد معظم الطلبة يكتبون كتابة منطقية متماسكة ولا يتكلمون بعقلانية .. لا لقصور في برامج التعليم ، ولكن لأنهم ليس لديهم الرغبة في التفكير أصلا .. فقد رسخ التليفزيون في عقولهم أن الصورة .. والصورة وحدها هي الحقيقة وهي المعرفة المنشودة .. وما عداها فلا شيء .. لا أسئلة ولا استفسارات ولا جهد للتعمق في عقول الآخرين وأفكارهم .. وإنما الصورة فقط وما يدور حولها من تعليقات.

وينتهي لينز إلى هذه الخلاصة فيقول : "لأننا سلمنا رؤوسنا وأنفسنا لهذا الوهم الذي يصنعه التليفزيون فإننا سائرون حتما إلى جنون جماعي ، سيكون له انعكاساته المنظورة وغير المنظورة على مستقبل هذه الأمة .. سوف نبدأ نرى أشياء لا وجود لها في الواقع .. وسوف نسلم لغيرنا أن يصنع لنا الوهم -على أنه هو الحقيقة- والنتائج لكل ذلك مروّعة".

يرى لينتز أن النتائج ستكون مروّعة ، ولكن الذين يرسمون الخطط للسيطرة على البشر، والذين يروجون لفكرة الفاشية الناعمة يرون الأمور بمنظار آخر .. فهذه الشخصية السلبية المسلوبة الإرادة التي طرحت التفكير المنطقي والنقدي جانبا ، والتي تعتمد على آخرين ليصنعوا لها قراراتها ويرسموا مستقبلها هي الشخصية المطلوبة، والتي يعملون على صنعها من خلال وسائل الإعلام .. لاشك أنها الشخصية التي تتوافق تماما مع منظومة "الفاشية الناعمة" أو الديمقراطية الموهومة .

الوهم الضروري :

الذي استخدم هذه العبارة هو "راينهولد نيبور" ، وخلاصة فكرته هي : أن غالبية الجماهير من العوام والجُهّال .. وبحكم هذا الوضع فهم غير قادرين على التفكير الذي يستند إلى المنطق، والتحليل خصوصية لا يتمتع بها إلا النخبة .. وهؤلاء عليهم خلق هذا "الوهم الضروري" القائم على التبسيط والعاطفية من ذلك النوع الذي تبثه وسائل الإعلام عن طريق الصور المكرورة والقصص الخيالية وبرامج التسلية اللاهية .

وهكذا يرى راينهولد أن الجمهور العام لا قدرة له على صناعة قرارات معقولة .. فهم لا يعرفون ماذا يحتاجون .. ومن ثم فإنه من غير الأخلاقي ولا اللائق إشراكهم في الشئون العامة ، فإن هذا يشبه السماح لطفل ذي ثلاث سنوات أن يلعب بسكين المطبخ .. وحتى لا يتورط هؤلاء العوام في مشاكل لا قبل لهم بها يجب علينا إلهاؤهم والحيلولة بينهم وبين الانشغال بالشأن العام.

فمن يصنع القرارات إذن ؟ ... يجيب راينهولد : إنهم النخبة من الفئات المتخصصة .. القلة الذكية .. هؤلاء المراقبون الهادئون هم القادرون على اتخاذ القرارات التي تخدم مصالح أصحاب السلطة الحقيقية .. والمقصود هنا هم كبار رجال الأعمال والمال المسيطرون على الاقتصاد والسياسة .

* يرد إلى ذهني في هذا السياق تصريح أدلى به سياسي عربي في أول زيارة له بعد مبايعته رئيسا للدولة - عندما سأله أحد الصحفيين عن موقفه من الديمقراطية في بلاده ، وهل تتوقف السلطات عن تزييف الانتخابات والخضوع لإرادة الشعب ؟

فأجاب الرجل ساخراً : أنت تتحدث عن بلادي وكأنها أمريكا .. يجب أن نفهم أن أكثر من نصف شعبنا أمي لا يعرف القراءة والكتابة (لعله نسي أن أكثره غارق في مشكلات الفقر والبطالة) .. ثم تابع قائلاً : فماذا تتوقع أن تكون صورة الديمقراطية التي يمكن أن يختارها .. ! هكذا تفكر النخبة المتسلطة على الحكم في بلاد العرب ، إنهم لا يفكرون حتى في (الفاشية الناعمة) فهذا ترف لا يقدرون عليه ، وما لديهم هو فاشية من العيار الثقيل ..!

القبول المصنوع :

(والتر ليبمان) يضيف إلى فكرة (الوهم الضروري) فكرة (القبول المصنوع) فهو يرى أنه في المجتمعات الديمقراطية لا تستطيع أن تتحكم في الناس بالقوة كما تفعل السلطات المستبدة في بلاد العالم الثالث التي لا تمارس الديمقراطية ..ولكن عليك أن تتحكم في تفكيرهم .. وهو يؤمن أن هذا من صميم النظرية الديمقراطية الليبرالية ، في هذه الديمقراطية يجب أن يسمع صوت الجماهير .. ومن ثم عليك أن تتحكم في صناعة هذا الصوت مسبقاً بحيث يأتي مطابقاً لما تتوقع منه بمحض إرادته وحريته ...!

يتسق مع هذا التوجه اعتقاد (ليبرمان) أن الجماهير العامة ليسوا إلا قطعانا هائمة - وعلينا أن نحمي أنفسنا من غضبة هذه القطعان .. وهذا لا يتأتى إلا عن طريق صناعة القبول أو (هندسة الموافقة) .

هنا يميز بين فئتين من الناس : النخبة الحاكمة والجماهير المحكومة .. ويرى أن كل فئة تحتاج إلى نوع مختلف من التعليم والإعلام .

فالنخبة المتميزة لابد أن يكون لديها فكرة دقيقة عن العالم حتى لا يتخذوا قرارات خاطئة .. ولابد لهم أيضا أن يتشربوا عقيدة ما قبل أن يبدأوا عملهم في خدمة الكبار .. فسواء كانت هذه النخبة ممن سيديرون سياسات الدولة أو من فرق المثقفين الذين يروجون لها ... يجب أن تكون عقيدتهم هي خدمة مصالح الأسياد الكبار .. ومن أجل ذلك فقط يسمح لهم بالاطلاع على وسائل المعرفة الخاصة بالنخبة.

أما بالنسبة للجماهير العامة فإن وسائل الإعلام الموجهة إليهم تلعب معهم دورا مختلفاً ، فهؤلاء يجب وضعهم خارج دائرة الاهتمامات الحقيقية الجادة ... إنهم يمثلون من 80 إلى 90 في المائة من الشعب .. وعلى وسائل الإعلام إلهاؤهم بالأفلام والمسلسلات ونجوم الكرة والموسيقى والغناء حتى لا يفكروا في المشاركة في صنع القرارات السياسية ...

ويكمل دور التليفزيون وسائل تسلية أخرى كثيرة من منتجات الثقافة الشائعة في عصرنا الحاضر من : كاسيت و"سي دي" و"دي في دي" .. وكلها من حيث الشكل والمحتوى تتبع نمطا واحدا .. وكلها تستهدف خلق جمهور من الناس مجرد من التفكير ومن القدرة على النقد .. مستهلك سعيد ببضاعته حتى لو كان محتواها مجرد نفايات ضارة .. إذ يبقى تأثيرها على عقول الناس وعواطفهم جد خطير..

ويمكرون ، ويمكر الله ، والله خير الماكرين..
هذا المقال منقول من موقع التاريخ اضغط هنا للذهاب لصفحة المقالة

الأربعاء، 17 يونيو، 2009

اللا مذهبية.. قنطرة اللا دينية

فضيلة العلامة الكبير المرحوم الشيخ زاهد الكوثري

نشرت بصحيفة صوت الإسلام العدد الرابع عشر الجمعة27من صفر1375هـ السنة الأولى

العلامة الكوثري

قالت الصحيفة وهي تقدم المقالة وكاتبها للقراء:

تعددت الدعوات الهدامة في العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة، وأغلب هذه الدعوات خلقها المستعمرون بالدراهم والدولارات، بقصد تفكيك عرى المسلمين، وإبعادهم عن مصادر هدايتهم وعزتهم، وقطع الصلة بينهم وبين ماضيهم الملئ بالمفاخر، ومن هذه الدعوات الأثيمة، الدعوة التي تنفخ فيها جماعة معروفة بصلتها بدولة أجنبية، تمدها بالمال والمعاونات المختلفة، وتهدف هذه الدعوة إلى نبذ المذاهب الأربعة، بزعم العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- والأخذ عنهما فقط لا عن غيرهما من أئمة المسلمين وكبار فقهائهم...، ومن غير المرحوم العلامة الكوثري يستطيع أن يقذف بالحق على باطل القوم فإذا هو زاهق؟؟

---------------------------------------------------

لا تجد بين رجال السياسة على اختلاف مبادئهم من يقيم وزنا لرجل يدعي السياسة وليس له مبدأ يسير عليه، ويكافح عنه باقتناع وإخلاص، وكذلك الرجل الذي يحاول أن يخادع الجمهور قائلا لكل فريق " أنا معك، ومن أردأ خلال المرء أن يكون إمعة، لا مع هذا الفريق ولا مع ذلك الفريق، وإن تظاهر لكل فريق أنه معه. وقديما قال الشعر العربي:

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن وإن لقيت معد فعدناني

ومن يتذبذب بين المذاهب منتهجا اللا مذهبية في الدين الإسلامي فهو أسوأ وأردأ من الجميع.

وللعلوم طرائف خاصة تختلف مناهجهم حتى في العلم الواحد عن نوع خاص، فمن أدعى الفلسفة من غير انتماء إلى أحد مسالكها المعروفة فإنه يعد سفيها منتسبا إلى السفه، لا إلى الفلسفة، والقائمون بخدمة العلوم لهم مبادئ خاصة، ومذاهب معينة حتى في العلوم العربية لا يمكن إغفالها، ولا تسفيه أحلام المتمسكين بأهدابها لمن يريد أن يكرع من ينابيعها الصافية.

ليس ثمة علم من العلوم عني به العلماء عناية تامة على توالي القرون من أبعد عهد في الإسلام إلى أدنى عهوده القريبة منا مثل الفقه الإسلامي، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يفقه أصحابه في الدين، ويدربهم على الفهم فيه بالاستنباط ، حتى كان نحو ستة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يفتون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى استمر الصحابة في التفقه على هؤلاء، ولهم أصحاب معروفون بين الصحابة والتابعين، في الفتيا، فالمدينة كانت مهبط الوحي ومقر جمهرة الصحابة إلى أخر حياة ثالث الخلفاء الراشدين، وعني كثيرا من التابعين من أهل المدينة بجمع شتات المنقول عن الصحابة من الفقه والحديث حتى كان للفقهاء السبعة من أهل المدينة منزلة عظيمة في الفقه وكان سعيد بن المسيب يسأله ابن عمر رضي الله عنهما عن أقضية أبيه، تقدير من ذلك الصحابي لسعة علم هذا التابعي الكبير بأقضية الصحابة.

ثم انتقلت علوم هؤلاء إلى شيوخ مالك من أهل المدينة، فقام بجمعها وإذاعتها على الجماهير، فنسب المذهب إليه تأصيلا وتفريعا وشهد بالإجماع له علماء كبار تقديرا لقوة حججه على توالى الأيام والسنين، ولو قام أحد هؤلاء العلماء المنتمين إليه بالدعوة إلى مذهب يستجده لوجد من يتابعه من أهل العلم لسعة علمه، وقوة نظره، لكنهم فضلوا المحافظة على الانتساب إلى مذهب عالم المدينة حرصا على اجتماع الكلمة، وعلما منهم بأن بعض المسائل الضعيفة المروية عن صاحب المذهب تترك في المذهب إلى ما هو أقوى حجة وأمتن نظر برأي ذوي الشأن من فقهاء المذهب، حتى أصبح المذهب باستدراك المستدركين لمواطن الضعف بالغ القوة، بحيث إذا قارعه أحد المتأخرين أو ناطحه فقد رأسه.

وهكذا باقي المذاهب للأئمة المتبوعين.

فها هي الكوفة بعد ابتناها "الفاروق" رضي الله عنه وأسكن حولها الفصح من قبائل العرب، بعث إليها بن مسعود رضي الله عنه ليفقه أهل الكوفة في دين الله قائلا لهم: "إني آثرتكم على نفسي بعبد الله " وعبد الله هذا منزلته في العلم بين الصحابة عظيمة جدا وهو الذي يقول فيه عمر: كنيف ملئ علما" وفيه ورد حديث " إني رضيت لأمتي ما رضى لها بن أم عبد" وحديث من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة بن أم عبد فقراءة بن مسعود هي التي يرويها عاصم عن زر بن حبيش عنه، كما أن قراءة على بن أبي طالب كرم الله وجهه التي يرويها عاصم عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عنه، فعنى بن مسعود بتفقيه أهل الكوفة من عهد عمر إلى أواخر عهد عثمان رضي الله عنهم عناية لا مزيد عليها، حتى امتلأت الكوفة بالفقهاء، ولما انتقل علي أبن أبي طالب كرم الله وجهه إلى الكوفة سر من كثرة فقهائها جدا، فقال: " رحم الله بن أم عبد قد ملأ هذه القرية علما" ووالى باب مدينة العلم تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين في كثرة فقهائها ومحدثيها، القائمين بعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية فيها بعد أن اتخذها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة وفقهاؤهم.

وقد ذكر العجلي أنه توطن الكوفة وحدها من الصحابة ألف وخمسمائة صحابي سوى من أقام بها ونشر العلم بين ربوعها، ثم انتقل إلى بلد آخر فضلا عن باقي بلاد العراق، فكبار أصحاب علي وبن مسعود رضي الله عنهما بها لو دونت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابا ضخما، وليس هذا موضع سرد لأسمائهم، وقد جمع شتات علوم هؤلاء إبراهيم بن يزيد النخعي، وأراؤه مدونة في آثار أبي يوسف؛ وآثار محمد بن الحسن، ومصنف بن أبي شيبة وغيرها، ويعد النقاد مراسيله صحاحا، وبفضله على جميع علماء الأمصار الشعبي الذي يقول عنه بن عمر رضي الله عنهما حينما رآه يحدث بالمغازي: " لهو أحفظ لها مني وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" ويقول الحسن بن سرين: "دخلت الكوفة فوجدت بها أربعة ألاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا كما في المحدث الفاصل للرامهرمزي" وقد جمع أبو حنيفة علوم هؤلاء ودونها بعد أخذ ورد شديدين في المسائل بينه وبين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيها من نبلاء تلاميذه المتبحرين في الفقه والحديث وعلوم القرآن والعربية، كما نص على ذلك الطحاوي وغيره وعن هذا الإمام الأعظم يقول محمد بن إسحاق النديم الذي ليس هو من أهل مذهبه:" والعلم برا وبحرا، وشرقا وغربا بعيدا وقريبا تدوينه رضي الله عنه" ويقول الشافعي رضي الله عنه:" الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة" وبيد أصحابه وأصحاب أصحابه نضج الفقه ولم يدعوا كلاما لم يستدرك- شكر الله سعيهم.

ثم أتى الشافعي رضي الله عنه فجمع عيونا من المعينين، وزاد ما تلقاه من شيوخه من أهل مكة كمسلم بن خالد الذي تلقى العلم عن بن جريج عن عطاء عن بن عباس رضي الله عنهما، وقد امتلأ الخافقان بأصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه، وملاؤا العالم علما، وأهل مصر من أعرف الناس بعلومه وعلوم أصحابه حيث سكنها في أواخر عمره ونشر بها مذهبه الجديد ودفن بها رضي الله عنه، ولا يتسع هذا المقال لبيان ما لسائر الأئمة من الفقهاء من الفضل على الفقه الإسلامي، وهم على اتفاق في نحو ثلثي مسائل الفقه، والثلث الباقي هو معترك آرائهم، وحججهم في ذلك ومداركهم مدونة في كتب أهل الفقه فمذاهب تكون بهذا التأسيس وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن متزعما في الشرع يدعو إلى نبذ التمذهب بها باجتهاد جديد يقيمه مقامها محاولا تدعيم إمامته بالا مذهبية بدون أصل يبنى عليه غير شهوة الظهور , تبقى تلك المذاهب وتابعوها في حيرة بماذا يحق أن ينقلب من عنده مثل هذه الهواجس والوساوس , أهو مجنون مكشوف الأمر غلط من لم يقده إلى مستشفى المجاذيب أم مذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عده من عقلاء المجانين، أو مجانين العقلاء..!؟

بدأنا منذ مدة نسمع مثل هذه النعرة من أناس هم في حاجة شديدة ما أرى إلى الكشف عن عقولهم بمعرفة الطبيب الشرعي ، قبل الالتفات إلى مذاعمهم في الاجتهاد الشرعي القاضي –في زعمهم- على اجتهادات المجتهدين، فعلى تقدير ثبوت أن عندهم بعض عقل، فلا بد أن يكونوا من صنائع أعداء هذا الدين الحنيف ممن لهم غاية ملعونة ترمي إلى تشتيت اتجاه الأمة الإسلامية في شئون دينهم ودنياهم تشتيتا يؤدي بهم إلى التناحر والتنابذ والتشاحن، والتنابذ يوما بعد يوم بعد إخاء مديد استمر بينهم منذ بزغت شمس الإسلام إلى اليوم.

فالمسلم الرزين لا ينخدع بمثل هذه الدعوة، فإذا سمع نعرة الدعوة إلى الانفضاض من حول أئمة الدين الذي حرسوا أصول الدين الإسلامي وفروعه من عهد التابعين إلى اليوم، كما توارثوه من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين، أو ترك سمعة نعيق النيل من مذهب أهل الحق فلا بد له من تحقيق مصدر هذه النعرة واكتشاف وكر هذه الفتنة، وهذه النعرة لا يصح أن تكون من مسلم صميم درس العلوم الإسلامية حق الدراسة، بل إنما تكون من متمسلم مندس بين علماء المسلمين أخذ بعض رءوس مسائل من علوم الإسلام بقدر ما يظن أنها تؤهله لخدمة صنائعه ومرشحيه، فإذا دقق ذلك المسلم الرزين النظر في مصدر تلك النعرة بنوره الذي يسعى بين يديه بجده شخصا لا يشارك المسلمين في آلامهم وآمالهم إلا في الظاهر بل يزامل ويصادق أنا سآلا يتخذهم المسلمون بطانة، ويلفيه يجاهر بالعداء لكل قديم وعتيق إلا العتيق المجلوب من مغرب شمس الفضيلة ويراه يعتقد أن رطانته تؤهله عند أساده -لعمل كل ما يعمل، فعندما يطلع ذلك المسلم على جلية الأمر يعرف كيف يخلص بيئة الإسلام من شرور هذا النعيق المنكر بإيقاف أهل الشأن على حقائق الأمور.

والحق يعلو ولا يعلى عليه.

فمن يدعو الجمهور إلى نبذ المتذهب بمذاهب الأئمة المتبوعين الذين أشرنا فيما سبق إلى بعض سيرهم – لا يخلو من أن يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلها بحيث يباح لكل شخص غير مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء أي مجتهد من المجتهدين بدون حاجة إلى الاقتصار على آراء مجتهد واحد يتخيره في الإتباع، وهذا ينسب إلى المعتزلة وأما الصوفية فإنهم يصوبون المجتهدين بمعنى الأخذ بالعزائم خاصة من بين أقوالهم من غير اقتصار على مجتهد واحد. وإليه يشير أبو العلاء صاعد بن أحمد بن أبي بكر الرازي –من رجال نور الدين الشهيد في كتابه- "الجمع بين التقوى والفتوى من مهمات الدين والدنيا" حيث ذكر في أبواب الفقه منه ما هو مقتضى الفتوى، وما هو موجب التقوى من بين أقوال الأئمة الأربعة خاصة، وليس في هذا معنى التشهي أصلا بل هو محض التقوى والورع.

والرأي الذي ينسب إلى المعتزلة يبيح لغير المجتهد الأخذ بما يروقه من الآراء للمجتهدين، لكن أقل ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخير لدينه مجتهدا يراه الأعلم الأروع فينصاع لفتياه كل صغير وكبير بدون تتبع الرخص- في التحقيق وأما تتبعه الرخص من أقوال كل إمام، والأخذ بما يوافق الهوى من آراء الأئمة، فليسا إلا تشهيا محضا، وليس عليهما مسحة من الدين أصلا كائنا من كان مبيح ذلك، ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني الإمام، عن تصويب المجتهدين مطلقا:"أوله سفسطة وآخره زندقة"، لأن أقوالهم تدور بين النفي والإثبات فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معا...؟ نعم إن من تابع هذا المجتهد في جميع آرائه فقد خرج من العهدة أصاب مجتهدة أم أخطأ، وكذا المجتهدون الآخرون، لأن الحاكم إذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، الأحاديث في هذا الباب في غاية من الكثرة، وعلى اعتبار من قلد المجتهد خارجا من العهدة وإن أخطأ مجتهدة جرت الأمة منذ بزغت شمس الإسلام، ولا تزال بازغة إلى قيام الساعة –بخلاف شمس السماء فإن لها فجرا وضحى وغروبا- ولولا أن المجتهد يخرج من العهدة على تقدير خطئه لما كان له أجر، وليس كلامنا فيه. وكلام الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني عن المصوبة حق يدل عليه ألف دليل ودليل، ولكن ليس هذا بموضوع توسع في بيان ذلك.

وأما إن كان ذلك الداعي إلى نبذ المتذهب يعتقد في الأئمة المتبوعين أنهم من أسباب وعوامل الفرقة والخلاف بين المسلمين، وأن المجتهدين في الإسلام إلى اليوم كلهم خطأ، وأنه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على الأمة منذ بزوغ شمس الإسلام إلى اليوم فهذا من التهور والمجازفة البالغين حد النهاية.

ونحن نسمع من فلتات ألسنة دعاة هذه النعرة بين حين وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة، وكذا الإجماع والقياس بل دلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط. فبتهوين أخبار الآحاد يتخلصون من كتب السنة من صحاح وسنن وجوامع ومصنفات ومسانيد وتفاسير بالرواية وغيرها، وإذن فلا معجزة كونية تستفاد منها، فهل يسلك مثل هذه السبل من سبل الشيطان غير صانع أعداء الإسلام؟ على أن أخبار الآحاد عند احتفافه بالقرائن، بل يوجد بين أهل العلم من يرى أن أحاديث الصحيحين –غير المنتقدة- من تلك الأحاديث المحتفة بالقرائن. وينفي الإجماع يتخلصون من مذاهب جمهرة أهل الحق،وينحازون إلى الخوارج المرقة، والروافض المردة. وبرد القياس الشرعي يسدون على أنفسهم باب الاجتهاد ومسالك العلة –على طرقها المعرفة المألوفة- منحازين إلى نفاة القياس من الخوارج والروافض وجامدي أهل الظاهر وبتلاعبهم بدلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط يتخذون القيود الجارية مجرى الغالب الملغاة باتفاق بين القائلين بالمفاهيم وغير القائلين بها من صدر الإسلام إلى اليوم وسيلة لتغير كثير من الأحكام القطعية ويجعلون للعرف شأنا غير ما له عند جميع هذه الأمة خانعين لما ألقاه بعض مستشرقي اليهود بمصر في عمل أهل المدينة ونحوه. وكذلك صنيعهم في المصلحة التي شرحنا دخائلها بعض شرح في مقالنا ( شرع الله في نظر المسلمين)

وكل ذلك يجري تحت بصر الأزهر وسمعه. ورجاله سكوت والسكوت على تلك المخازي مما لا يرتضيه الأزهر السني الذي أسس بنيانه على التقوى منذ عهد الملك الظاهر بيبريس وأمرائه الأبرار، حيث صيروه معقل للعلم لأهل السنة، بعد أن أحيوا معالمه؛ ولم تزل ملوك الإسلام ترعاه على هذا الأساس إلى اليوم، ولا يزال بابه مغلقا على غير أتباع الأئمة الأربعة وكم أجروا عليه من الخيرات لهذه الغاية النبيلة، وللملك فؤاد الأول رحمه الله عليه يد بيضاء، في إنهاض الأزهر على ذلك الأس القويم، والحكومة الرشيدة المتمسكة بأهداب الدين الإسلامي لم تزل تسدي إليه كل جميع مرعاه تلك السديدة.

فإذا تم لدعة النعرة الحديثة قصر الاجتهاد على شخص واحد من أبناء العهد الحديث –بمؤهلات غير مألوفة- وتمكنوا من إبانة المذاهب المدونة في الإسلام لهؤلاء الأئمة الأعلام، ومن حمل الجماهير على الانصياع لآراء ذلك الشخص يتم لهم ما يريدون، ولكن الذي يتغنى بحرية الرأي على الإطلاق بكل وسيلة كيف يستقيم له منع الطامحين من أبناء الزمن مثله إلى الاجتهاد من الاجتهاد أم كيف يجيز إملاء ما يريد أن عليه من الآراء على الجماهير مرغمين فاقدي الحرية، أم كيف يبيح داعي الحرية المطلقة حرمان الجماهير المساكين المقلدين حرية تخير مجتهد يتابعونه باعتبار تعويلهم عليه في دينه وعلمه في عهد النور!!!؟ ولم يسبق لهذا الحجر مثيل في عهد الظلمات!!!!! وهذا مما لا أستطيع الجواب عنه وقصارى القول أنك إذا قمت بدرس أحوال القائمين بتلك النعرة الخبيثة وجدتهم لا يألفون المألوف ولا يعرفون المعروف، أعمت شهوة الظهور بصائرهم حتى تراهم يصادقون المتألبين على الشرق المسكين، فنعرتهم هذه ما هي إلا نعيق الإلحاد المنبعث عن أهل الفساد فيجب على أهل الشأن أن يسعوا في تعريف مصدر الخطر، وإطفاء الشرر، وليست هذه الدعوة المنكرة سوى قنطرة اللا دينية السائدة في بلاد أخرى منبت الإلحاد وكتبت لها التعاسة والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، والعاقل من اتعظ بغيره والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الاسلام الذي لا يعرفه الوهابية

يعتقد بعض المسلمين للاسف الشديد ان الاسلان اتى فقط لاطالة اللحية و لبس النقاب !!! و لبس الجلباب و غيره من المعتقدات الشائعة في زمن البترودولار و الحقيقة الساطعة سطوع الشمس في كبد في السماء هي ان الاسلام اتى ليحرر البشر البشرية جمعاء النوع البشري كله في وقت لم يكن هناك مجتمع اسلامي على وجه الارض , اتى هذا الدين ليحل للناس مشكلاتهم في حياتهم ليرفع عنهم الظلم و يحقق العدالة , اتى هذا الدين ليعرفهم بربهم و يجيب عن السؤال الذي يسآله الصغير قبل الكبير من نحن ؟ من اين اتينا ؟ و لماذا اتينا ؟, اتى هذا الدين لينير العقول و الفكر و ليدفع البشرية للامام الى البحث و التفكر و عمارة الارض و لكسر جميع التقاليد و الاعراف الاجتماعية البالية التى جعلت العيش في ظلها شيء من المستحيل تحقيقه , لذلك و فقط لذلك اعتنقوا هذا الدين و أخلصوا له و دافعوا عنه
طيب انا بقا عايز اقول ايه من الاخر يعني : عايز اقول ان الناس اعتنقت الاسلام عشان هو حل المشكلات و رفع الظلم و نور العقل و الفكر و لم يعتنقوه عشان لحية او نقاب كما يعتقد الوهابيين
لذلك يجب علينا كلنا ان نعرف ان قضيتنا ليست قضية المسلمين فقط بل قضية هي كل البشر كل النوع البشري
يجب ان نتوجع لكل انسان يتالم في امريكا اللاتينية و اخر يجوع في افريقيا و نحزن لكل ظلم يقع على انسان في اسيا
قضيتنا باختصار سعادة البشر و تحقيق احلامهم
و شكرا لكم
و مدد يا رسول الله

الوجه الحقيقي للقضية الأرمنية 2

هذه المقالة هي الجزء الثاني من مقال للاستاذ اورخان محمد علي في موقع تايم تورك

عندما دخل الإنجليز إلى اسطنبول محتلين في 13 تشرين الثاني من عام 1919م،أثاروا القضية الأرمنية فقاموا بالقبض على 140 شخصا من السياسيين والمفكرين الأتراك بتهمة مسئوليتهم في القضية الأرمنية ونفوهم إلى جزيرة مالطة تمهيدا لمحاكمتهم باعتبارهم من مجرمي الحرب. ولكن كان من الضروري العثور على الوثائق والأدلة في هذا الصدد.قأرسل الأميرال الإنجليزي ( ويب) برقية إلى حكومته قال فيها :

( يجب إعدام جميع الأتراك كي تشمل العقوبة جميع من ظلموا الأرمن ، ويجب أن تكون العقوبة عقوبة للأمة عن طريق تمزيق الإمبراطورية التركية، وعقوبة للأشخاص عن طريق محاكمة كبار المسئولين كي يكونوا عبرة لمن اعتبر).

ولكن حكومة اسطنبول برئاسة توفيق. باشا بادرت بطلب من الحكومة البريطانية وهو أن تجري المحاكمة أمام محكمة دولية يكون حكامها من الدول المحايدة مثل اسبانيا وسويسرة.

قلقت بريطانيا من هذا الطلب فقامت - وهي الدولة العظمى آنذاك والدولة المنتصرة – بإجراء ضغوط سياسية على هذه الدول المحايدةالتي اضطرت في النهاية الامتناع عن ترشيح حكام منها لهذه المحكمة المقترحة. ثم قامت بريطانيا بخطوة ثانية وهي إضافة الحكم الآتي إلى المادة رقم 230 من معاهدة سيفر :

( تتعهد الحكومة العثمانية بتسليم المسئولين عن المجزرة إلى الحلفاء.وإن إختيار الحكام من صلاحيات الحلفاء ، والحكومة العثمانية ملزمة بالاعتراف بهذه المحكمة ) ...

كان هذا هو منطق القوة التي تملي شروطها على المغلوب.

شكلت محكمة عسكرية بريطانية في باطوم لمحاكمة هؤلاء المتهمين. ولكنها لم تستطع إصدار أي حكم لعدم وجود أي دليل أو وثيقة تدينهم،أو تشير إلى وقوع عملية التطهير العرقي ضد الأرمن. وبينما كانت الحكومة البريطانية تبذل كل ما في وسعها للعثور على دليل قامت البطريركية الأرمنية في اسطنبول بتقديم ملف لهذه المحكمة حول ( مائة من المجرمين الأتراك ). ولكن بعد التدقيق تبين أن هذا الملف لا يحتوي على دليل واحد ضد الأتراك.ثم قام البريطانيون بقلب الأرشيف العثماني الموجود في اسطنبول وتدقيقه للعثور على الأدلة المطلوبة فلم يصلوا إلى شيء.ثم راجعوا دور الوثائق البريطانية فواجههم الفشل مرة أخرى.وخطر على بال الحاكم العام البريطاني الاستفادة من الوثائق الأمريكية فكتب إلى اللورد كرزون في لندن قائلا ) لا شك أن بحوزة الحكومة الأمريكية أعدادا وافرة من الوثائق حول المجزرة).

أرسل الطلب إلى الحكومة الأمريكية، وبعد بحث وتمحيص جاء الجواب من السفارة البريطانية في واشنطن مخيبا لآمالهم: ( لم يعثر على أي أدلة ضد الأتراك في دوائر الوثائق الأمريكية).

بعد هذا الفشل أرسل المدعي العام الأول البريطاني الخطاب الآتي في 29/9/ 1921م :

( ليس لدينا أي حظ في إمكانية الحكم على المنفيين في مالطة).

في هذه الأثناء كانت حرب الاستقلال التي دخلت فيها تركيا بقيادة حكومة أنقرة تسجل الانتصار تلو الانتصار،فأرسلت هذه الحكومة طلبا إلى الحكومة البريطانية لاطلاق سراح المنفيين إلى مالطة مقابل إطلاق سراح بعض الأسرى البريطانيين عندها. وتم التوقيع فعلا على اتفاقية بهذا الخصوص، حيث تم إطلاق سراح هؤلاء.

الوثائق الروسية

جاء في دائرة المعارف الكبيرة للاتحاد السوفيتي ( طبعة 1926م )ما يأتي حول هذه القضية :

( إذا نظرنا للمشكلة الأرمنية من المنظور الخارجي رأينا أنها ليست سوى محاولة القوى الكبرى إضعاف تركيا وذلك بمعاونة ومساعدة القوى الانفصالية فيها لكي تتيسر لها سبل استغلالها وامتصاص خيراتها. هذه القوى الكبرى كانت عبارة عن الدول الأوروبية الكبرى وروسيا القيصرية. ولم تكن الحوادث التي جرت عبارة عن وقوع مذبحة، بل مجرد وقوع قتال بين الطرفين ).

رأي المؤرخين المعاصرين

والآن ما رأي المؤرخين المعاصرين حول هذه القضية ؟ هل كانت هناك حركة تطهير عرقي ضد الأرمن ؟

في شهر مايس من عام 1985م نشر ( اتحاد الجمعيات التركية – الأمريكية Assembly of Turkish American Associations ) بيانا في جريدتي ( نيويورك تايمز) و ( واشنطن بوست ) موقعا عليه من قبل 69 مؤرخا ومختصا في التاريخ العثماني وشؤون الشرق الأوسط نفوا فيه وقوع أي عملية تطهير عرقي للأرمن من قبل الأتراك خلال أعوام 1915 – 1923م وكان من ضمن الموقعين على البيان :

البروفيسور برنار لويس، البرفيسور هيث لوري، البروفيسور جوستن ماك آرثي،

البروفيسورآلان فيشر، البروفيسور رودريك داوفسين، دانكوودت روستو، تيبور هالاسيكون، ستانفورد شو،فرانك تاجو، بيير أوبرلنك....وغيرهم من أشهر العلماء والمؤرخين .

ولكن الأرمن قاموا بعد هذا الإعلان بحملة تهديد وإرهاب ضد هؤلاء العلماء وهددوهم بالقتل وقدموا بعضهم للمحاكم ( مثل برنارد لويس).ونجحت هذه الحملة في إرهاب معظم هؤلاء فلم يعودوا يتطرقون إلى هذا الموضوع.وإن بقي بعضهم لا يخشى من سرد آرائه مثل البروفيسور جوستن ماك آرثي والبروفيسور برنارد لويس .والمؤرخ البريطاني أندرو مانكو.

وحسب بعض الإحصائيات قام الأرمن خلال ثمانين عاما بكتابة ما يقارب ( 26 ) ألف كتاب بجميع اللغات العالمية حول ما أطلقوا عليه اسم ( التطهير العرقي الذي تعرض له الأرمن من قبل الأتراك ).أي قاموا بعملية غسيل دماغ ناجحة جدا في أوروبا وفي أمريكا.

ومع أن المكان الطبيعي لمناقشة مثل هذه الأمور هو محكمة لاهاي الدولية،حيث يمكن هناك تقديم القضية مع أدلتها التاريخية _ إن كانت موجودة – فإن الأرمن يتهربون دائما من هذا ويتجنبونه،لأنهم يعلمون أنهم لا يملكون أي وثيقة تاريخية في هذا الصدد، لذا نراهم يفضلون القيام باللعب السياسية والضغط السياسي في المجالس البرلمانية من قبل اللوبيات الأرمنية القوية في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا، مع أن المجالس النيابية والبرلمانات ليست أماكن تحسم فيها القضايا التاريخية وتقدم فيها الوثائق والأدلة.وليس النواب أشخاص مؤهلين لمناقشة التاريخ وإصدار الأحكام حول الحوادث التاريخية، فهم ليسوا بأهل اختصاص في هذا الموضوع.وقد تبين هذا المر بكل وضوح في النقاش التلفيزيوني الحي الذي جرى يوم 25/1/2001 في قناة ( شو Show) التركية بين مؤرخين ومفكرين أتراك وبين أربعة من الفرنسيين الذين ساندوا قرار الاعتراف بوقوع تطهير عرقي للأرمن واستمر النقاش ما يقارب خمس ساعات وقد تبين أن هؤلاء النواب يجهلون التاريخ تماما وأن معلوماتهم معلومات صحفية وسطحية . وعندما طلب المذيع أن يبرز أي واحد منهم وثيقة تاريخية حول وقوع هذا التطهير العرقي عجزوا عنه وبرروا العجز بأنهم ليسوا مؤرخين.

الوجه الحقيقي للقضية الأرمنية 1

مقالة كتبها الاستاذ أورخان محمد علي في موقع تايم تورك

أثار الأرمن في السنوات الأخيرة ما أطلقوا عليه اسم التطهير العرقي للأرمن في الدولة العثمانية في أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد أثاروا هذه المشكلة أمام تركيا مطالبين منها الإعتراف بهذا التطهير العرقي كخطوة أولى للمطالبة بالتعويض وربما بأراضي يعدونها أرمنية. وقد أثاروا هذه المشكلة في الولايات المتحدة الأمريكية في الأخص لوجود لوبي أرمني قوي وقد انضم اللوبي اليهودي أيضا إلى هذه الحملة بعد أن ساءت علاقة اليهود مع السيد رجب طيب أردوغان بعد موقفه الشهير في داوس، وكانت المشكلة الأرمنية من المسائل التي أثيرت كثيرا في الحملة الانتخابية الأخيرة لانتخاب رئيس الدولة في الولايات المتحدة التي انتهت بفوز اسيد باراك أوباما الذي اضطر إلى مسايرة الأرمن وصرح بأنه يوافق علة مقولة الأرمن من حدوث تطهير عرقي ضد الرمن من قبل السلطات العثمانية. كما أثيرت هذه القضية في مختلف دول أوروبا ولا سيما في فرنسا التي يوجد فيها لوبي أرمني قوي استطاع بثقله الحصول على تاييد فرنسا في هذا الصدد.

كما صدر قرار من الجمعية الوطنية الفرنسية قبل ست سنوات على قانون يتضمن الاعتراف بوقوع مذبحة وتهجير جماعي للأرمن في الأناضول خلال الحرب العالمية الأولى عام 1915م. وصدر القرار بموافقة 51 نائبا كانوا جميع من حضر تلك الجلسة. علما أن عدد النواب في المجلس النيابي الفرنسي يبلغ 557 نائبا .أي صدر القرار بنسبة أقل من 10%..

فما الأسباب الحقيقية لصدور مثل هذا القرار؟ . هناك آراء متعددة حول الموضوع في الأوساط السياسية والصحفية وعند المحللين السياسيين :

هذا هو الجانب الإخباري والسياسي للموضوع ولكن ما الوجه الحقيقي للقضية الأرمنية ؟

وما الحقائق التاريخية حولها ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه .

نبذة تاريخية :

عند تناولي للقضية الأرمنية في كتابي ( السلطان عبد الحميد الثاني : حياته وأحداث عهده ) قلت :

( ...كان الأرمن قد سكنوا هذه المنطقة من شبه جزيرة الأناضول قبل عدة عصور وقبل مجيء الأتراك، فكانوا لذلك على طريق الفاتحين – كالاسكندر الكبير – وفي منطقة النزاع بين الإمبراطوريات الكبيرة آنذاك وهي الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية، مما أدى إلى وقوعهم تارة تحت سيطرة هذه وتارة نحت سيطرة تلك.ويعزى تشتتهم مع قلة عددهم إلى هذا السبب. أي وقوعهم في منطقة الصدام بين الإمبراطوريتين ، مما دفع البعض منهم على الابتعاد عن منطقة القتال والتوجه إلى مناطق أخرى.

وقد شكل الأرمن في تاريخهم بعض الإمارات والدول التي كانت في الغالب تحت سلطة وسيطرة الدول الكبرى، وقلما تيسرت لهم سبل الاستقلال. كما أنهم عانوا من اضطهاد الغالبين ومحاولتهم فتنتهم عن دينهم وعقيدتهم. وقد استوى في هذه المحاولة الفرس المجوس والبيزنطيون النصارى. فقد حاول الفرس تحويلهم عن المسيحية ، بينما حاول البيزنطيون تغيير مذهبهم وإدخالهم في المذهب الارثدوكسي، ومحاربة لغتهم وثقافتهم.

بعد ظهور الإسلام وتوسع دولته ، وتغلب المسلمين على الفرس وعلى البيزنطيين أصبح الأرمن تحت حكم العرب المسلمين تارة وتارة تحت حكم البيزنطيين. وفي عهد معاوية أصبح الأرمن تابعين للحكم الأموي في عهد ملكهم " قسطنطين الثاني" . ولكنهم كانوا يتمتعون بحكم ذاتي مع ضمان حرية عقيدتهم كدأب المسلمين في احترام عقائد الآخرين على مدار التاريخ )

وعاش الأرمن في سلام أيضا في ظل الحكم العثماني قرونا عديدة ، وكانوا يتمتعون بحرية العقيدة. ولما كانوا معفوون عن الخدمة العسكرية فقد انصرفوا إلى التجارة والصيرفة والصياغة والزراعة. وخلال مئات الأعوام – أي حتى أواخر القرن التاسع عشر – خلا تاريخهم من أي حركة عصيان مسلحة، حتى أن الأتراك أطلقوا عليهم لقب " الأمة المخلصة ". وكانت أعلى الوظائف الحكومية مفتوحة أمامهم فكان منهم الوزراء والأعيان والنواب والمدراء العامون والمستشارون.وندرج أدناه بعض من تقلد منهم مناصب رفيعة في الدولة العثمانية:

الوزراء:

1- آغوب كازازيان باشا وزيرا للمالية

2- غارابيت آرتن داود باشا وزيرا للبريد والبرق

3-آندون تنغر ياور باشا وزيرا للبريد والبرق

4- اوسكان ماردكيان وزيرا للبريد والبرق

5- بردوس حلاجيان وزيرا للشؤون الاجتماعية

6- المحامي كريكور سينابيان وزيرا للشؤون الاجتماعية

7- كريكور ىغاتون وزيرا للشؤون الاجتماعية

8-جبرائيل نورادونكيان وزيرا للشؤون الاجتماعية

9- جبرائيل نورادكونكيان وزيرا للخاجية

10- اوهانيس صاكيز باشا وزيرا للخزانة الخاصة

11- ميخائيل بورتقاليان باشا وزيرا للخزانة الخاصة.

الأعيان :

1-أوهانيس كيومجيان باشا 3- مانوك ازاريان

2- ابراهام اراميان باشا 4- جبرائيل نورادونكيان

النواب

أ - في المجلس النيابي لعام 1876م ( المشروطية الأولى)

1-اوهانيس الله ويردي : وكيل رئيس المجلس النيابي

2-صبوح ماقصوديان : نائب اسطنبول

3- روبن يازجيان : نائب أدرنة

4-ساهاك باورميان: نائب بورصة

5- هامازاسب بالاريان: نائب ارضروم

6- مانوك قارجيان : نائب حلب

7-ميخائيل آلتن طوب: نائب انقرة

8- آغوب شاهنيان : نائب سيواس

9- تانيل قارجيان : نائب ارضروم

ب‌- في المجلس النيابي لعام 1908م ( المشروطية الثانية)

1- كريكور زوهراب نائب اسطنبول

2- بدروس حلاجيان نائب اسطنبول

3-آغوب بابكيان نائب تكرداغ

4- آغوب بوياجيان نائب تكرداغ

5- آرتين بوشكيزيان نائب حلب

6- الدكتور نزارات داغاواريان نائب سيواس

7- اسطيفان اسبارتاليان نائب ازمير

8- هاميرسوم بوياجيان نائب كوزان

9- كغام درغارابديان نائب موش

10- كراكين باسترماجيان نائب ارضروم

11- واهان بابازيان نائب وان

ولا ندرج هنا أسماء النواب في المجلس النيابي لعام 1914م تجنبا للإطالة.

وفي احصائية أجريت عام 1912 م تبين أن عدد التجار المسجلين في الغرفة التجارية والصناعية في اسطنبول يبلغ ثلاثين ألف تاجر 25% منهم من الأرمن، و45% من الروم ، و15% فقط من الأتراك والباقي من قوميات أخرى.

إذن لماذا ومتى ظهرت هناك قضية اسمها القضية الأرمنية ؟

نستطيع تقسيم القضية الأرمنية إلى مرحلتين تاريخيتين :

أ )- مرحلة عهد السلطان عبد الحميد الثاني :

وهي المرحلة التي ظهرت فيها هذه القضية للمرة الأولى على المسرح الدولي.

ب)- مرحلة عهد الاتحاد والترقي:

ويتركز النقاش حولها حاليا ، وهي تصادف السنوات الأخيرة للدولة العثمانية قبل انهيارها في الحرب العالمية الأولى.
أ ) – القضية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني :
قلنا أن الأرمن عاشوا في سلام مع الأتراك طوال مئات السنوات دون أن يقوموا بأي حركة مسلحة. فما الذي تغير في العهود الأخيرة للدولة العثمانية - ومنها عهد السلطان عبد الحميد الثاني – لكي تظهر مثل هذه القضية ؟

بعد سير الدولة العثمانية نحو الضعف والتدهور ظهرت أطماع الدول الكبرى مثل روسيا وانكلترة وفرنسا لالتهام أجزاء من هذه الدولة المترامية الأطراف والضعيفة في الوقت نفسه.ونجحت فعلا في هذا . ولكن هذه الدول في أثناء سباقها هذا كانت تجد نفسها وجها لوجه بعضها مع البعض الآخر. وهذا هو جوهر ما سمي في التاريخ ب( المسألة الشرقية).

كانت من أهم وسائل تدخل هذه الدول الكبرى في المسائل الداخلية للدولة العثمانية بغية تمزيقها والتهام أجزاء منها هي إثارة الأقليات الدينية والعنصرية في الدولة العثمانية التي كانت تضم مختلف الأديان والمذاهب والقوميات والعناصر. وقد اختارت روسيا إثارة الأرمن القاطنين قرب الحدود الروسية العثمانية، فبدأت بتحريضهم وإمدادهم بالمال والسلاح والقيام بتدريبهم في أراضيها وتشكيل الجمعيات الإرهابية المسلحة من أمثال ( خنجاق) ومعناه : صوت الناقوس .و ( طشناق ) ومعناه : العلم.

والشيء الملفت للنظر أن قادة هذه الجمعيات الإرهابية المسلحة كانوا من أرمن روسيا فقط وتحت إمرة المخابرات الروسية.وكانت روسيا تحرض الأرمن على طلب تشكيل دولة أرمنية في الولايات الستة في شرقي الأناضول، مع أن الأرمن لم يكونوا يشكلون أكثرية في أي ولاية من هذه الولايات لسببين :

الأول : قلة عددهم،إذ كان عدد الأرمن – حسب الإحصائيات العثمانية والأجنبية كذلك – يتراوح بين مليون ومائتي ألف إلى مليون ونصف مليون فقط في جميع أراضي الدولة العثمانية.

الثاني : أنهم كانوا مبعثرين في ولايات ستة أي في مساحة كبيرة – للأسباب التاريخية التي ذكرناها سابقا- مما أدى إلى عدم تشكيلهم أكثرية في أي ولاية عثمانية.

لذا كان هذا المطلب الأرمني مطلبا خياليا من جهة، ومطلبا يستحيل على الدولة العثمانية قبوله.لأن هذه الولايات الستة كانت في قلب الدولة العثمانية، ولم تكن ولاية من الولايات العثمانية البعيدة عن مركز الدولة العثمانية ( أي ولاية في البلقان مثلا). وكان قبول الدولة العثمانية إقامة مثل هذه الدولة في مركزها وفي قلبها وفي ولايات يشكل المسلمون فيها الأكثرية أصلا ...كان مثل هذا القبول بمثابة عملية انتحارية للدولة العثمانية.لذا وقف السلطان عبد الحميد الثاني بكل صلابة أمام مطالب الدول الكبرى في هذا الخصوص ولم يعبأ حتى بتهديد انكلترة وقيامها بإرسال أسطولها إلى ( جنق قلعة ) كورقة ضغط وتهديد. ولم يتوان عن عقاب الأرمن المتورطين في هذه الحركات الإرهابية واتخاذ كافة التدابير الضرورية لحماية الدولة من ألاعيب ومؤامرات الدول الكبرى. ولم يكن من المنتظر طبعا من السلطان القيام بالخضوع لمطالب جمعيات إرهابية تحركها مخابرات الدول الكبرى، وقبول استقطاع مساحة كبيرة من قلب الدولة العثمانية وتقديمها لها.لذا فقد أطلق الأرمن لقب ( السلطان الأحمر ) على السلطان عبد الحميد الثاني.

واتبعت الجمعيات الأرمنية الإرهابية – الموجودة في إمرة المخابرات الروسية ثم البريطانية– وسائل الإرهاب والقتل تجاه الأرمن الذين لم يكونوا يرغبون في التعاون معها أو التبرع بالمال لها،فقتلت عددا كبيرا من الأرمن في ازمير واسطنبول وفي الولايات الستة.بل رتب الأرمن محاولة لاغتيال السلطان عبد الحميد الثاني عام 1905 م ففجروا عربة محملة بالديناميت أمام الجامع الذي كان يصلي فيه السلطان صلاة الجمعة ووقتوا التفجير قرب خروج السلطان من الجامع. ولكن السلطان نجا من هذه المحاولة التي خلفت وراءها 26 قتيلا وعشرات الجرحى.وقد ألقي القبض على الجاني، ولكن السلطان عفا عنه.

قلنا أن بريطانيا تبنت المسألة الأرمنية بعد أن نفضت روسيا يدها عنها، وذلك كورقة تهديد للدولة العثمانية ، ولكي تشكل من الدولة الأرمنية المزمع إقامتها حاجزا يحول بين روسيا وبين الوصول إلى الخليج العربي.ولا نستطيع هنا الإطالة في هذا الموضوع ولكننا نشير إلى أن هذا الأمر كان واضحا ومفهوما في مسرح السياسة الدولية آنذاك حتى أن الزعيم المصري المعروف مصطفى كامل ذكر في كتابه (المسألة الشرقية ) ما يأتي :

( ... فالذين ماتوا من الأرمن في الحوادث الأرمنية إنما ماتوا فريسة الدسائس الإنكليزية).

كما أشار هرتزل في مذكراته إلى مساعدة بريطانيا للحركات الأرمنية.

ب )- القضية الأرمنية في عهد الاتحاد والترقي:

عندما أعلنت الحرب العالمية الأولى ودخلت الدولة العثمانية في أتونها بقرار أهوج من قبل جمعية الاتحاد والترقي القابضة على الحكم فيها اخترقت الجيوش الروسية الحدود الشرقية للدولة العثمانية لتفوقها على القوات العثمانية في العدد والعدد بنسبة ثلاثة أضعاف في الأقل.وقامت بمذابح وحشية في القرى الحدودية والمناطق التي استولت عليها،فهاجر مئات الآلاف من الأهالي من مدنهم وقراهم ومات منهم خلق كثير في ذلك الشتاء القاسي من البرد والجوع والمرض.

في أثناء هذه المآسي الإنسانية المروعة قام الأرمن القاطنون في تلك المناطق الحدودية بالتعاون مع جيش الاحتلال الروسي ضد أهالي القرى الذين عاشوا معهم عصورا عديدة ولم يروا منهم سوى المحبة... تعاونوا مع جيش الاحتلال الروسي لأنهم وجدوا الحرب ودخول الجيوش الروسية أراضي الدولة العثمانية فرصة ثمينة يجب ألا يضيعوها ... فرصة إقامة الدولة الأرمنية على تلك الأراضي بمساعدة الجيش الروسي المحتل. وقام الجيش الروسي بتجنيدهم في صفوفها وتشكيل ميليشيات مسلحة من الأرمن تعاونهم في الحرب وتكون لهم طابورا خامسا.

بدأ الأهالي المسلمون يتسلحون أيضا للدفاع عن أنفسهم، ويقابلون هجوم الأرمن بهجوم مثله.وبعد أن بدأ الأرمن بقتل الأطفال الأسرى من المسلمين بدأ المسلمون يقتلون أيضا أطفال الأرمن الأسرى. وفي إحدى المرات تجمع آلاف من أسرى الأطفال الأرمن في المنطقة التي كان العالم الإسلامي المشهور ( سعيد النورسي) موجودا فيها. وعندما سمع بنية قتل هؤلاء الأطفال منعهم مذكرا إياهم بأن الشرع الإسلامي لا يسمح بهذا مطلقا ثم أمر بإطلاق سراحهم وسمح لهم بالذهاب إلى المعسكر الروسي حيث التحقوا بأهاليهم خلف الخطوط الروسية.وقد كان لهذا التصرف أثرا كبيرا في نفوس زعماء الأرمن الذين عندما استولوا على بعض القرى المسلمة تركوا عادة ذبح الأطفال.

وهناك كتاب وثائقي فرنسي بعنوان ( المظالم الروسية الأرمنية

Documents Su les Ruses -Atrocutes Armeno )–فليرجع إليها من أراد التفصيل.

أي أن الأرمن وقفوا بجانب الجيوش المحتلة وخانوا بلدهم وأصبحوا لعبة في يد الدول الكبرى ، ولم يكتفوا بهذا بل أوقعوا مذابح وحشية بين الأهالي المسلمين لتهجيرهم عن قراهم وأماكنهم ليتسنى لهم تشكيل دولتهم فيها.وهناك الآلاف من الوثائق التاريخية العثمانية حول هذه المذابح وتم اكتشاف المئات من القبور الجماعية في تلك المناطق كان آخرها المقبرة الجماعية التي اكتشفت عام 1980م وكانت تضم عظام ( 280 ) ضحية من ضحايا إحدى هذه المذابح. ويقول المؤرخ التركي البرفسور ( أنور كونوكجو ) : ( يندر وجود قرية في شرقي الأناضول لم تتعرض لمذبحة أرمنية ).

كان من الطبيعي تولد عداوة كبيرة بين أهالي تلك المنطقة ضد هؤلاء القتلة من الأرمن.ولم يبقوا مكتوفي الأيدي ومتفرجين فقط على هذه المذابح ،بل تسلحوا وبدأوا يهجمون على القرى الأرمنية ويقتلونهم.

لم تستطع الحكومة العثمانية آنذاك من حل هذه المشكلة إلا بالقيام بتهجير الأرمن من تلك المناطق الحدودية لتقطع الصلة بين الأرمن وبين الجيوش الروسية.فقامت بعملية تهجير واسعة وكبيرة إلى سوريا ولبنان والموصل.كان عدد المهجرين كبيرا ( 600) ألف تقريبا.ونظرا لضخامة هذا العدد وعدم توفر الإمكانيات والوسائل الكافية لدى الدولة العثمانية لتنفيذ هذه العملية الكبيرة في ظل فقر الدولة وأهوال الحرب العالمية الأولى،لذا تم هذا التهجير بطرق بدائية جدا.فمات من هؤلاء أعداد كبيرة من البرد والجوع والمرض . ولا يستطيع أحد أن ينكر أن عملية التهجير هذه كانت مأساة إنسانية كبيرة.كما تعرضت قوافل المهجرين إلى غارات من قبل الأهالي الغاضبين الذين فقدوا أحبائهم في المذابح العديدة التي ظهرت وانتشرت نتيجة ظروف الحرب.

لم تكن الهجرة الأرمنية وحدها مأساة إنسانية، بل إن الحكومة العثمانية أصدرت أمرا إلى الأهالي القاطنين قرب الحدود الروسية النزوح والهجرة من أماكنهم بعد أن اخترقت الجيوش الروسية الحدود الشرقية للدولة العثمانية.في هذه الهجرة أيضا وقعت مآسي كبيرة يشيب من هولها الأبدان. ونحن نقرأ من مذكرات العلامة ( سعيد النورسي ) وصفا لعملية تهجير الأهالي المسلمين حيث يقول :

( ... كانت الثلوج قد تراكمت بارتفاع ثلاثة وأربعة أمتار، وبدأ الأهالي بالاستعداد لترك المدينة والهجرة منها بأمر الحكومة، والعوائل التي كانت تملك ستة أو سبعة من الأطفال كانوا لا يستطيعون سوى أخذ طفل أو طفلين فقط، ويضطرون إلى ترك الأطفال الباقين على الطرق الرئيسة وتحت أقواس الجسور مع قليل من الطعام ... وبين دموع الأطفال وصراخهم وبكاء الأمهات يتم مشهد فراق يفتت أقسى القلوب ...)

إذن فهكذا تم تهجير المسلمين كذلك...أي أن الجميع اكتووا بنار الحرب وقاسوا من قلة إمكانيات الدولة في توفير وسائل التهجير، ولم يكن الأمر مقتصرا على الأرمن.

وكما تبين أعلاه فلم تكن القضية قضية تطهير عرقي للأرمن، ولم تكن هناك أي نية في إيقاع المذابح بهم.لقد قاسى الأرمن ما قاسوه نتيجة تعاونهم مع جيوش الاحتلال وكونهم آلة في ألاعيب السياسة العالمية، من جهة، ثم من قلة إمكانية الدولة في ظروف الحرب العالمية وهي تقاتل في سبع جبهات. وأكبر دليل على ما نقول أن أحدا لم يلمس الأرمن الموجودين في اسطنبول أو في إزمير أو في المدن الأخرى بأي أذى. ولو كان الأمر أمر تطهير عرقي لما سلموا من يد الدولة.

يقول الأرمن بأن عدد هؤلاء الضحايا يتراوح بين مليون إلى مليون ونصف. ولا شك أن هذا العدد مبالغ فيه كثيرا.لأن عدد الأرمن الموجودين في جميع أراضي الدولة العثمانية كان بالكاد يبلغ المليون ونصف المليون.أما عدد المهجرين فكان يبلغ 600 الفا تقريبا ، ولم يمت جميع المهجرين،بل سلم أكثر من نصفهم حيث وصلوا إلى سوريا ولبنان والموصل وذهب قسم منهم إلى إيران وقفقاسيا.أي أن عدد الضحايا يقل عن 300 الف .بينما يقول بعض المؤرخين الأتراك بأن عدد الضحايا من المسلمين في المذابح الأرمنية يقارب المليون. وقد يكون في هذا الرقم أيضا بعض المبالغة.

أدلة تاريخية

مدونة بن عربي : الصوفية هي الحق هى المعرفة النورانية اللدنية

مدونة بن عربي : الصوفية هي الحق هى المعرفة النورانية اللدونية