الجمعة، 21 نوفمبر، 2008

تراهات في المسألة القبطية

بقلم الدكتورة زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية

حينما تصل المغالطات الاستفزازية إلى حافة اشتعال الفتن ، فلا بد من وقفة توضع فيها النقاط على الحروف ، للحد من اندفاع بعض المتطرفين من المسيحيين فى مصر ، فى الداخل والخارج، الذين باتوا يناشدون التدخل الأمريكى صراحة لمساندة فرياتهم وتقسيم البلاد ـ وفقا لما يدور من محاولات فى العديد من البلدان الإسلامية ، وتحقيقا لذلك التخريب الذى لا يكف عن الإطلالة برأسه من وقت لآخر لتقسيم مصر ـ الأمر الذى يضع ولاءهم للوطن محل نظر ..

ولا يسع المجال هنا للرد على كل ما تضمنه خطاب الأنبا توماس فى معهد هادسون يوم 18 يوليو 2008 ، ولا لكل ما ورد بمقال السيد مجدى خليل ، مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات، من فريات دفاعا عما ورد بالمحاضرة . لكننى سأتناول الرد فى عجالة على أربعة محاور أساسية هى : مصر الفرعونية ؛ " الغزو " العربى الإسلامى ؛ موقف تلك "الفئة" العميلة على مر التاريخ ؛ و"الأصولية الإسلامية" ، التى اندلعت منذ السبعينات من القرن العشرين كما يقولان ..
1 - مصر الفرعونية :

* اسم مصر Egypt مشتق من كلمة " كمت " المصرية القديمة وتعنى "الأرض السوداء" ثم تحولت إلى "جمت " و"جبت" والى "إيجبتوس" فى العصر اليونانى ثم إلى "إيجيبت" مع سقوط اللازمة اليونانية. و كلمة الأرض السوداء هى نسبة الى دورة فيضان النيل وطميه الذى كانت تعتمد عليه الزراعه آنذاك.

* كلمة " قبط " التى انتسب إليها الأقباط مأخوذة من كلمة Coptos وهو الاسم اليونانى لمدينة "قفط " قرب الأقصر ، والتى تمركز فيها الأقباط هربا من اضطهاد الرومان لقربها من شاطئ البحر الأحمر حيث يمكنهم الهرب إذا ما زاد القمع.. وهى كلمة لا تزال تكتب على كافة الخرائط الخاصة بتلك الفترة . ويشير هيرودوت إلى أن أغلب سكانها كانوا من الأقباط ، وذلك فى الوقت الذى كانت فيه المسيحية تحارب بضراوة والمسيحيون يمثلون أقلية ضئيلة ، وهو ما يفسر سر ارتباطهم باسم هذه المدينة التى تمركزوا فيها للحماية .. لذلك لا يجوز أبداً إطلاق كلمة "قبطى" على كل المصريين : فالمصرى نسبة الى الوطن ، ومسلم أو مسيحيى نسبة للدين.

* مصر الفرعونية كانت تتبع الديانة الوثنية وظلت بعض المعابد تعمل حتى القرن السادس الميلادى. واللغة المصرية القديمة هى الهيروغليفية ، التى استمرت حتى عصر الاضمحلال الثالث ، أى عند غزو الإسكندر الأكبر. واللغات السائدة فى مصر الفرعونية كانت : الهيروغليفية، كلغة رسمية للدولة؛ والهيراطيقية ، أيام العصر الهيللينى والكهنة هم الذين كانوا يستخدمونها ؛ والديموطيقية ، أى اللغة الشعبية أو العامية التى ما زالت توجد بعض مفرداتها فى العامية الحالية ، و قد بدأ استخدامها بعد الدولة الحديثة (1580-1085 ق م) .. واللغة القبطية بدأ ظهورها فى القرن الميلادى الثالث عندما استقرت المسيحية فى مصر نسبياً، فتم استخدام الأحرف اليونانية ، لغة الحاكم المستعمِر ، إضافة إلى بضعة أحرف صوتية مصرية قديمة لم تكن موجودة باليونانية فأُخذت من الصوتيات الهيروغليفية.

* عبارة التراث القبطى والفن القبطى ، كلها بدع ومسميات حديثة تم اختلاقها فى منتصف القرن العشرين ، والأب بول بورﭼيه P. Bourget)) هو أول من كتب فى الفن القبطى اعتمادا على بورتريهات الفيوم ، وهى الصور التى كانت ترسم على توابيت الموتى بدلا من التوابيت المنحوتة الغالية.. وهذه المجموعة من البورتريهات كانت تُعد فى عُرف علماء الآثار عبارة عن رسومات عصر الاضمحلال ـ أى الفن المتخلف المستوى بالنسبة لما كان عليه الفن المصرى القديم، حتى وإن كان منها بعض الوجوه المعبّرة .. وتوالت الكتابات التمجيدية المفتعلة بعد ذلك لترسيخ فكرة "الفن القبطى" و"التراث القبطى" ، فى حين أن الحقبة التى ظهرت فيها المسيحية فى مصر تدخل ضمن عصر الاضمحلال كمرحلة انتقالية، من كثرة ما بها من قلاقل ..

* المسيحية ظلت تحارَب وتتعرض للاضطهاد بحيث فى عام 361 م قام الإمبراطور جوليان بإعادة الديانات الوثنية و حجّم الوجود المسيحى فى السلطة الحاكمة وأمّم أموالهم من كثرة مؤامراتهم للاستيلاء على الحكم ، فقام القساوسة بترتيب اغتياله بيد حارسه وألصقوا به عبارة "المرتد".. وفى عام 313 كان الإمبراطور قسطنطين قد سمح للمسيحيين بممارسة عقيدتهم مثل باقى العقائد الوثنية السائدة بموجب مرسوم ميلانو ، لضم أطراف الإمبراطورية شريطة أن يدخل المسيحيون الجيش ، ووافق الكنسيون، الذين خرجوا بذلك عن تعاليم يسوع الذى كان يحرّم القتل ، وما أكثر خروجهم عن تعاليمه .. وفى عام 391 أعلن الإمبراطور تيودوز المسيحية ديانة رسمية وحيدة للدولة. وهذا يؤكد أن الوضع لم يستتب للمسيحية إلا فى أواخر القرن الرابع الميلادى . ومنذ ذلك التاريخ بدأت عملية اقتلاع العقائد الأخرى بكل آثارها ..

* أما فى مصر فقد قاد الإمبراطور دسيوس فيما بين 249-251 حملة ضد المسيحيين ، وحضر ديوكليسيان إلى مصر على رأس حملة لضرب المسيحيين باعتبارهم "رأس الحية لهذا الدين".. واتخذ المسيحيون معركة يوم 29/8/284 بداية للتقويم القبطى باسم "تقويم الشهداء" وربطوه بالشهور المصرية القديمة ـ أى أن المسيحية بدأت تستقر نسبيا فى مصر فى أواخر القرن الثالث، وكل المرحلة السابقة كانت تعانى من اضطهاد الرومان المتواصل. أى أن المسيحية لم تكن تغطى العالم قبل مجيء الإسلام كما يزعم مروجو الأباطيل ..

* وفى عام 323 قام القديس باخوم بتأسيس أول دير فى الصعيد ، وفى عام 527 قام الإمبراطور جوستينيان بإنشاء دير سانت كاترين فى سيناء، وهو ما يثبت أن المسيحية لا " تمتد إلى أكثر من ألفى عام" فى مصر كما زعم أحد مستشارى الأقباط ـ وتكفى الإشارة إلى أن السيد المسيح صُلب ، كما يقولون ، حوالى سنة 30 أو 33 م وأول استخدام لكلمة "مسيحى" فى التاريخ يرجع إلى سنة 49 م.

وخلاصة القول إن مصر لم تكن قبطية فى أى عهد من العهود ، واللغة القبطية لم تكن لغة الدولة فى أى عصر من العصور ، وإنما كانت اللغة الكنسية فيما بعد ، عندما تم الاعتراف بالمسيحية كديانة رسمية وحيدة فى الإمبراطورية الرومانية عام 391 م. وعند الفتح الإسلامى تسلم عمرو بن العاص البلد من الحاكم الرومانى بينما فر الأسقف هاربا يحتمى فى الصحراء ، وقد أرسل له عمرو بن العاص الأمان وأعاده إلى مكانه فى الكنيسة.. وما ساعد على انتشار الإسلام بتلك الصورة التى لا تزال تبهر الباحثين فى الغرب ، أن الفئة المسيحية فى مصر كان أغلبها يتبع مذهب الأريوسية ، نسبة إلى الأسقف أريوس السكندرى، الرافض لتأليه المسيح عليه السلام. وهو ما يتمشى مع فكرة الإله الواحد السائدة دوما فى الديانة المصرية القديمة ، سواء أكان رع أو أمون أو أتون ، وذلك بخلاف الثالوث التالى له فى القيمة والمكانة : إيزيس وأوزيريس وحوريس المأخوذة عنه فكرة الثالوث فى المسيحية لسهولة ترسيخها فى الأذهان ..

2 - "الغزو" العربى الإسلامى :

* الأنبا توماس ليس أول من قال هذه العبارة الكاشفة ، وإنما سبقه إليها الأنبا يوحنا قولتا فى كتابه الذى يفتقد إلى العلم والأمانة والمعنون "المسيحية والألف الثالثة" (2002) ، و قد تناولته فى مقال آنذاك . وما قبلهما أو ما بعدهما لا يُعد ولا يُحصى ، وإن هى إلا عملية إسقاط غير أمينة لما يقومون هم به فعلا. وإن كانت معلومات هؤلاء الأباء الأجلاء من الضحالة فى التاريخ حتى أنهم يصرون على بث فريات يتشربها أتباعهم بكل " مصداقية " ، فلا بد من توضيح التسلسل التاريخى لرسالة التوحيد ، الذى بدأ على يد موسى عليه الصلاة والسلام ، وحينما حاد اليهود عن التوحيد وعادوا لعبادة العجل وراحوا يقتّلون الأنبياء ، أتى عيسى عليه الصلاة والسلام قائلا : " وما أتيت إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الضالة " (متّى 15 : 24) ، ويفهم منها أنه لم يأت لتنصير العالم كما يجاهد الفاتيكان الآن لفرض هذه الفرية سياسياً.. وحينما حاد النصارى عن رسالة التوحيد بتأليه عيسى وتمادوا فى الشرك باختلاق الثالوث ، أتى محمد عليه الصلاة والسلام كاشفا لكل ما تم من تحريف فى الرسالتين السابقتين ، مصوباً ومكملاً .. لذلك لا يجوز إطلاق عبارة "غزو" على المسلمين والعرب ، إذ أنها لم تطلق على يسوع عليه الصلاة والسلام حينما أتى مصوبا لتحريف اليهود ، وإنما "الفتح" بمعنى إزاحة الباطل من على نفس رسالة التوحيد واستتباب الدين الحق كما يرتضيه المولى عز وجل.

* عند ظهور الإسلام كانت المسيحية تتخبط فى معارك طاحنة فيما بين عشرات الفرق ولا يسع المجال هنا لتناولها ، ومن المؤكد أنه مع كل عملية تحريف أو اختلاق جديدة فى صلب العقيدة كانت تندلع المعارك بين الأساقفة وأتباعهم. وتكفى الإشارة إلى مجامع كارتاجنة الثلاثة فى أعوام 251 و252 و253 ، للتصدى للمسيحيين المرتدين فى الإمبراطورية الرومانية وبحث قبول أو رفض عودتهم إلى المسيحية !. أو إلى المجامع التى انعقدت لطرد وحرمان الأسقف أوطيخى أو الأسقف أريوس الذى امتد مذهبه إلى إسبانيا وإيطاليا ، وخاصة شعوب الكاتار والبوجوميل والفودوا الذين أبادتهم الكنيسة فى جنوب شرق فرنسا وشمال إيطاليا. وكلها حقائق تاريخية ثابتة تزخر بها كتب التاريخ الكنسى قبل التاريخ العالمى.. وهو ما يكشف أن حتى القرن الثالث كان العديد من المسيحيين يفرّون من المسيحية حتى أقيمت المجامع لبحث موقفهم..

* لذلك ، عندما دخل الإسلام مصر ، أولا فكرة التوحيد (الإله رع ، أو آمون ، أو آتون) كانت لا تزال سائدة بين المصريين القدماء (الوثنيين) الذين كانوا يمثلون الأغلبية آنذاك، وكانت الأريوسية هى المنتشرة بين جماعة المسيحيين ، إلى أن أتت عليها الكنيسة تقريبا ، لذلك دخل أغلب المسيحيين الإسلام لقربه من فكرة التوحيد فى ذهنهم و وضوح تعاليمه القائمة على العقل والمنطق .. فالإسلام لم يكن "غزوا " بأى حال من الأحوال وإنما تصويباً للانحراف الذى تم فى التوحيد بالله ، مثله مثل عيسى عليه السلام حينما أتى مصوبا بعد أن حاد اليهود عن التوحيد ..

3 - موقف تلك "الفئة" من الأقباط على مر التاريخ :

* تمرد " فئة " من المسيحيين ليس بجديد ، فمنذ الفتح الإسلامى وهى تشرئب من وقت لآخر بفرياتها . وفى العصور الأقرب : تعاونهم مع الصليبيين منذ أول حملة صليبية عام 1095؛ ومع الاحتلال الفرنسى سنة 1798 ، ومنهم المعلم يعقوب الذى كوّن فيلقا من الأقباط لمحاربة المسلمين مع جنود الإحتلال الفرنسى ولقبّوه بالﭼنرال .. وجرجس الجوهرى ، وملطى أنطوان، وبرتلمى (الملقب فرط الرمان) ، ونصر الله النصرانى ، وميخائيل الصباغ ، وغيرهم .. وجميهم تعاونوا مع الغزاة لإرشادهم على رجال المقاومة المسلمين لترسيخ الاحتلال .. ثم تعاونهم مع الاحتلال البريطانى عام 1882 ؛ ومع العدوان الثلاثى سنة 1956 وذهاب بعض الضباط الأقباط للمحتلين قائلين : "نحن مسيحيون مثلكم " ! وكانت فضيحة بكل المقاييس آنذاك، وغضت الدولة الطرف عنها بسرعة التعتيم عليها .. وها هم يهرولون حاليا لتقديم حجة مفتعلة للاحتلال الأمريكى ..

* افتعال الحجج المتواصل لتأجيج الموقف ، ففى كل مرة يبدأ المسيحيون ويلصقون التهم بالمسلمين، ومنها أحداث الزاوية الحمراء عام 1981، وحادثة الكشح عام 2000 ، والقس المشلوح صاحب الصور الخليعة بأسيوط عام 2001 ، ووفاء قسطنطين 2004 ، وكلها نماذج على سبيل المثال لا الحصر ولا يسع المجال لذكرها ..
* ظاهرة إلصاق كنيسة بجوار كل مسجد بصورة نشاز حتى معماريا ، فكثير منها لا يتفق حجما مع المكان الذى حُشرت فيه، بحيث قد تعدى عدد الكنائس المساجد التى كانت تتباهى بها القاهرة ذات الألف مئذنة ، وذلك لمجرد تنصير شكل البلد تمشيا مع مخطط تنصيره الفعلى الذى يقوده الفاتيكان وهيستيريا تنصير العالم التى فرض المساهمة فيها على كل الأتباع المسيحيين..

* وقائع بدعة الأديرة التى تفوق الثلاثين ديرا وكلها امتدت وتوسعت على أراضى الدولة الدائبة غض الطرف عن هذه الأفعال الإجرامية فى حقها وفى حق المسلمين، ومنها دير الأنبا أنطونيوس فى البحر الأحمر، ودير باتموس فى طريق السويس ، الذى تصدت له فرق الجيش وعادت خاسئة، ودير أبو فانا المقام على 600 فدانا فى ملوى ، وكلها أديرة عبارة عن قلاع صناعية ومخازن أسلحة مدججة بأحدث الأنواع ، والمفترض فيها أنها أماكن للاعتزال عن الدنيا والتعبد .. ولو أحصينا مساحات كل الأديرة بمصر لفاقت سعتها استيعاب تعداد المسيحيين الذى يقل يقينا عن أربعة ملايين نسمة ـ وفقا لإحصائية الفاتيكان عن مسيحيى الشرق الأوسط ..

4 – الأصولية الإسلامية :

* تكررت عبارة "الأصولية الإسلامية التى ظهرت فى مصر منذ السبعينات من القرن العشرين" فى نص المحاضرة وفى النص الدفاعى عنها عدة مرات ، ويؤكد تحديدهما أن المسألة مرتبطة فعلا بقرار تنصير المسلمين الذى اتخذه مجمع الفاتيكان الثانى سنة 1964 ، فى الدورة الخامسة ، عن دور الكنيسة وشعب الله ، فى الفقرة 16 ، وتقول الجملة : " كما أن هدف الخلاص يتضمن أيضا الذين يعترفون بالخالق ، ومن بينهم أولا وأساساً المسلمون ، الذين بممارستهم إيمان إبراهيم يعبدون معنا الإله الواحد ، الرحيم ، الذى سيحاكم الناس آخر يوم " (المجامع المسكونية، ج 3 ، صفحة 861) .. ففى الواقع أنها ليست عملية أسلمة لمصر ولكن عملية تنصير فعلى تتم بدأب لكل مصر والمسلمين ، بإصرار مكشوف الألاعيب وعدم أمانة تضع هذه الفئة محل مساءلة مثلما تضع ولاءها للوطن محل نظر !

* افتعال أحداث 11 سبتمبر 2001 لم يعد خافيا على أحد فى أنها تمت بفعل قادة البيت الأبيض للتلفع بشرعية دولية لاقتلاع الإسلام.. وقد تحججت تلك السياسة الاستعمارية الأمريكية بابن لادن لاجتياح أفغانستان ؛ وتحججت بصدام حسين لاحتلال العراق ؛ وتتحجج الآن بالنشاط النووى لاحتلال إيران ؛ وتقدم لها فئة من الأقباط بفرياتهم حجة استعمار مصر وتقسيمها .. وكلها شعوب إسلامية تحصد بالملايين وتهجّر بالملايين ، ومنها شعب فلسطين الذى يُذبح حاليا بسكين بارد ، وما من أحد يتحرك فى جميع الأحوال إلا بالشعارات والعبارات الجوفاء التى لا تؤدى إلى شئ .. فما من دولة من تلك الدول المسيحية المتعصبة تصدت عمليا لوقف السياسة الأمريكية الإجرامية الاستيطانية واندفاعها الطائش ، أو لوقف ربيبتها الصهيونية ..

وإذا ما أخذنا فى الاعتبار بعض المثالب الأخرى التى قام بها المسيحيون من ضغوط لفرض تنصير البلد شكلا وموضوعا ، لأدركنا حقيقة الموقف ، ومنها : فرض استباحة التنصير علنا ؛ فرض الاحتفال بمولد المسيح كعيد وطنى فى بلد به أكثر من سبعين مليون مسلم وأقل من أربعة ملايين مسيحى؛ فرض تنازلات دينية سياسياً على الأزهر ؛ الإصرار على تخريب اللغة العربية لغة القرآن الجامعة لكل المسلمين ؛ التوسع فى شراء الأراضى إضافة إلى ما يتم الاستيلاء عليه عنوة سواء للكنائس أو للأديرة بحيث يصبح الجزء الأكبر من الأراضى المصرية مملوكا للأقباط، وهو تكرار لما قام به الصهاينة فى فلسطين ؛ أغلبية القرى السياحية مملوكة لمسيحيين ؛ امتلاكهم ثلثى الاقتصاد المصرى رغم أقليتهم ؛ توليهم أكثر الوزارات حساسية وجنوح الاقتصاد وغيره لم يعد مجهولا ؛ فرض تغيير مشروع منزل كوبرى فيصل لكى لا يغطى كنيسة شارع مراد وفرض عمل النفق بدلا من الكوبرى العلوى ؛ تصميم عَلَمْ للأقباط وهو ما يخالف القانون صراحة : فالأقباط ليسوا فئة مهنية معينة وإنما جزء من الشعب المصرى ، وذلك يعنى أن التدابير قد تمت لتقسيم البلد إن لم يكن لتنصيرها بالكامل .. وما خفي فهو بلا شك أعظم وأشد فداحة ـ ولا أقول شيئا عن تدنى مستوى الخطاب وأكاذيبه فى المواقع القبطية!

لذلك لا يسعنى إلا التوجه إلى الأباء الأجلاء ، من أمثال الأنبا يوحنا قولتا والأنبا توماس وزكريا بطرس ومعاونيهم ، الذين يبثون فرياتهم على الأتباع وعلى الشعب المصرى إجمالا ، لتؤدى إلى إشعال الفتن وإدخال المستعمِر الأمريكى ـ الذى يغالط بشراسة ويكذب بلا خشية ولا حرج لاقتلاع ملايين المسلمين ، لأقول : ادرسوا تاريخ المسيحية التى تسعون حثيثا لفرضها على المسلمين بكل مغالطة ، واقرأوا أناجيلكم بكل ما بها من متناقضات ، وتكفى الإشارة إلى قول المسيح عليه السلام : " بل من لطمك على خدّك الأيمن فحوّل له الآخر أيضا " (متّى 5 :39) ، وكيف تستقيم هذه الآية مع قوله : " أما أعدائى أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامى " (لوقا 19 : 29) ؟!. وهى واحدة من آلاف المتناقضات .. ولا أود إضافة ارجعوا إلى أبحاث " ندوة عيسى " وما توصلت إليه من أن 82 % من الأقوال المنسوبة إليه لم يقلها ، و 86 % من الأعمال المنسوبة إليه لم يقم بها ، أو اقرأوا الخطاب - المقدمة الذى كتبه القديس جيروم ويعترف فيه بأنه غيّر وبدّل فى النصوص الإنجيلية وأن الترجمات الأخرى السابقة له باطلة لأن كلها أخطاء..

أليس من الأفضل والأكرم أن تعود مصر نسيجا واحداً ، كما كانت قبل قرار تنصير العالم، الذى افتراه الفاتيكان سنة 1965 وفرض على جميع الأتباع المساهمة فى تنفيذه ؟!.. أليس من الأكرم والأفضل أن تظل عبارة " الدين لله والوطن للجميع " هى السائدة ـ خاصة وأنتم كرجال دين أول من يعلم كيفية تطور ذلك الدين ، الذى تسعون لفرضه على الإسلام والمسلمين ، وكيف تم نسجه عبر المجامع على مر العصور ؟!

أرجو وأتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يتولى عقلاء المسيحيين ، بكل فرقهم ، ترشيد تلك "الفئة" المنساقة إلى هاوية لن تقوم بالفرز والاختيار ، وإنما ستجرف الجميع ..

ويبقى سؤال مطروح لكافة المسؤولين أيا كان موقعهم : إلى متى ستظل أجهزة الدولة بكاملها مغمضة العينين عما يحدث ، وإلى متى تستمر هذه التنازلات الخطيرة ؟!

مكتبة الإسكندرية القديمة و تدمير النصارى لها


بقلم : أ.د. زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية
دأبت المؤسسة الكنسية ، فى حربها ضد الإسلام ، على القيام بعمليات إسقاط لكل ما تعرضت له هى من مسالب أو لكل ما قامت به من هدم وتدمير لاقتلاع الآخر. ومن أشهر هذه الإسقاطات إلصاق تهمة حرق مكتبة الإسكندرية القديمة ، الذى تم فى القرن الرابع الميلادى ، إلى القائد عمرو بن العاص بناء على أمر من الخليفة عمر، أيام فتح مدينة الإسكندرية ، فى القرن السابع !

وتقول الوثيقة الوحيدة التى استندوا إليها ، وهى بقلم ابن القفطى ، فى القرن الثالث عشر الميلادى ، فى كتابه المعنون : " تأريخ الحكماء" :

" إن الخليفة عمر قد أصدر أوامره للقائد عمرو بن العاص قائلا : "فيما يتعلق بالكتب التى ذكرتها ، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففى كتاب الله عنه غنىً، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليها ، فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص فى تفريقتها على حمامات الإسكندرية وإحراقها فى مواقدها كوقود لتسخين المياه. وقد استغرق حرقها ستة أشهر كاملة ".

ولن نتناول الآن التعليق على هذه الفرية الواضحة ، ونتركها لآخر هذا المبحث ، لنعرض موضوع المكتبة منذ بدايته وكما تتناوله الوثائق الغربية المنصفة.

لم تكن الإسكندرية آنذاك مجرد مدينة مزدهرة ، وإنما كانت بمثابة حضارة مكتملة ، بمعنى أنها كانت تضم تلك الإنجازات التى يتركها عظام الرجال فى مجتمع تتعدى أبعاده نطاق الجغرافيا. فالنطاق التاريخى الواقع بين الفترة التى تم فيها تأسيس هذه المدينة على أيدى الإسكندر الأكبر ، سنة 332 ق.م. ، إلى الفترة التى تم فيها تدميرها على أيدى الأسقف تيوفيلوس والقساوسة التابعين له ومن بعدهم ، فى القرن الرابع الميلادى ، يعد بمثابة حقبة زمانية متفردة فى ازدهار علومها.
فقد كانت مدينة الإسكندرية تمثل عالما بأسره وأسلوب حياة فنية وفكرية وعلمية مترابطة الأركان. ونطالع فى موسوعة أونيفرساليس : " أن يكون المرء سكندريا لم يكن يعنى أنه من مواطنى هذه المدينة فحسب، وإنما يعنى الانتساب إلى قيم حضارية فى عاصمة البطالمة ، خلفاء الإسكندر فى مصر ".. فقد كان لها أهمية كبرى أيام الرومان ، وكان لها موقعا خاصا وآثارا تميزها. بل أضفت عليها شهرتها العديد من المسميات ، ومنها : الجميلة ، شديدة الجمال ، خالدة الذكرى ، المَلَكية ، الشديدة البريق.. وكانت أكثر الصفات استخداما " الكبرى".. وقد ازدهرت بها علوم الرياضيات والفلك والهندسة إلى جانب تألق المدارس الفكرية والفلسفية – وكلها مجالات تواصلت اعتمادا على ما كانت الحضارة المصرية القديمة قد وصلت إليه.

فمنذ بداية النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد ، أيام بطليموس الأول ، امتلأت الإسكندرية بالمبانى الرائعة واكتمل شكلها المعمارى الذى حافظت عليه حتى نهاية العصور القديمة ، بحدائقها الغناء ومبانيها اليونانية الطابع . وفى حى القصور، الذى كان يفترش ربع المدينة تقريبا ، تم تشييد القصر الملكى على البحر، والمتحف والمكتبة الشهيرة ، والسوما – قبر الإسكندر الأكبر، والسيرابيوم، المعبد المقام للإله اليونانى المصرى سيرابيس ، ومعبد إيزيس ، والسوق ، والمسرح . بينما الفنار المشيد على جزيرة فاروس يكمّل تلك الروائع المعماية.

وكان بطليموس الأول قد أمر بتشييد "الميوزيوم" ، أى قصر ربات الفنون، الإلاهات التسع الشقيقات المُلهمات للغناء والشعر والفنون والعلوم والميثولوجيا الإغريقية، عام 288 ق.م. وكان يضم جامعة ، وأكاديمية علمية ، والمكتبة الشهيرة التى كانت تحتوى على سبعمائة ألف مخطوطة. وكان قد طلب من كل البلدان الشهيرة أن ترسل له أعمالا لكافة المؤلفين وأمر بترجمتها إلى اليونانية. كما كان يطلب من البواخر التى تتوقف بميناء الإسكندرية أن تسمح بأن يتم نقل وترجمة ما تحمله من كتب .. فكانت النسخ تعاد إلى البواخر ويتم الاحتفاظ بالأصل فى مكتبة الإسكندرية.

وأصبح "الميوزيوم" مركزا علميا عالى المستوى ، يؤمه كافة العلماء ، حيث يجدون كل ما يحتاجون إليه. وكانت عملية ترجمة كل هذه الأعمال إلى اليونانية تمثل عملا ضخما ، استحوذ على كافة مثقفى البلد تقريبا. فقد كان يتعيّن على هؤلاء الأشخاص إتقان لغتهم الأم إضافة إلى إتقان اليونانية. وعند امتلاء المكتبة تم تشييد ملحق لها قرب الميناء ، وهذا الملحق امتدت إليه النيران عام 47 ق. م. ، عندما قام يوليوس قيصر بحرق أسطول الإسكندرية.

ومن أشهر من قام بإدارة هذه المكتبة ، الفلاسفة زينودوت الأفسوسى ، وأرستوفان البيزنطى ، وأريستارك الثاموتراسى ، وأبوللونيوس من رودس . وكان آخر من تولى إدارتها هو العالم ثيون (Théon) ، والد عالمة الرياضيات والفليسوفة الشهيرة هيباثيا التى كانت تدير مدرسة الأفلاطونية الجديدة بعد أفلوطين، و قام القساوسة بقتلها ..

فقد رجمها القساوسة عام 415 بناء على أمر الأسقف سيريل ، الذى جعلته الكنيسة قديسا سنة 1882 ، وماتت بأبشع طريقة انتقاما منها ومن علمها. ويقول سقراط القسطنطينى (380 – 450 ) المؤرخ المسيحى ، الرومانى الجنسية، والمتخصص فى التاريخ الكنسى : "إن القساوسة انتهزوا فرصة مرورها بعربتها وجرّوها عنوة و سحلوها ثم أدخلوها الكنيسة ونزعوا عنها ثيابها وضربوها بالهروات والأوانى ثم مزقوا جسدها ووضعوا تلك الأجزاء فى كيس وصعدوا بها إلى "السينارون" وأحرقوها. مما أثار الانتقادات ضد الأسقف سيريل وكنيسة الإسكندرية، إذ كان الموقف فى غاية الإحراج لمن يقولون أنهم أتباع يسوع ويقومون بتلك المجازر والاغتيالات. وقد حدث ذلك فى العام الرابع من ولاية سيريل ، والعام العاشر من حكم هونوريوس ، والعام السادس من حكم تيودوز، فى شهر مارس أيام الصيام " ، (وارد فى كتاب "التاريخ الكنسى" ، ج7 ، ص 14، ترجمة رومان تلميذ هيبوخانى).. ويا له من احترام لشعائر الدين الذى يفرضونه بالقتل والحرق !

وكانت المعارك بين المسيحيين والوثنيين قد بدأت حتى من قبل أن يسمح لهم الإمبراطور قسطنطين ، عام 313 ، بممارسة مسيحيتهم مثل باقى العبادات فى الدولة. وفى مطلع القرن الثالث كف تعليم اللغة الهيروغليفية فى مصر واختفى علم التحنيط . ويبدو بكل أسف ، كما نطالع فى موسوعة فيكيبديا، " أن دخول المسيحية مدينة الإسكندرية قد محى ذاكرة مصر تماما " !..
ومع فرض المسيحية ديانة رسمية ووحيدة للإمبراطورية الرومانية فى عام 391 ميلادية ، زادت المعارك بين الأسقف أريوس والأسقف أطنازيوس، القريب من السلطة ، حول طبيعة السيد المسيح. و وصل اضطهاد الوثنيين إلى درجة غير مسبوقة. فقد تم هدم كافة المعابد والتماثيل فى كل الإمبراطورية ، ومُنعت الطقوس الدينية الوثنية كلها بينما تزايد النفوذ المسيحى بصورة كاسحة.

ويقول هنرى مونييه فى كتابه عن مصر البطلمية : أيام قسطنطين ، الذى حكم من 323 إلى 337 ، كان معبد السيرابيوم فى الإسكندرية فى أوج تألقه كما كان يُعد قلعة العالم الهللينى. وقد قرر قسطنطين وقف الاحتفالات الوثنية التى كانت تقام فيه بسبب عداء الكهنة الشديد للمسيحيين. بل لقد أغلق المعبد فى يوليو 325م ، وهو نفس العام الذى تم فيه تأليه السيد المسيح . وبذلك بدأ أول هجوم على السيرابيوم، ذلك الهجوم الذى واصله تيوفيلوس أسقف الإسكندرية بشراسة حتى أتى عليه.

فقد جعل ذلك الأسقف مهمته الأساسية هى اقتلاع الوثنية من مصر ، خاصة وأن الوثنيين كانوا لا يزالون أقوياء فى تلك الفترة ويهزأون من خصومهم. وكان السيرابيوم هو مكان تجمعهم مثلما كان محراب عبادة سيرابيس منذ أيام البطالمة الأوائل. وتحول المعبد بعد ذلك ليصبح مدرسة شهيرة تتواصل فيها تعاليم الأفلاطونية الحديثة بفضل هيباثيا التى طالعنا مصيرها..

وما أن وصل قرار الإمبراطور بإلغاء العبادة الوثنية حتى تزعم الأسقف تيوفيلوس القيام بإجراءات استفزازية ضد الوثنيين ، اندلعت على إثرها مظاهرة عارمة. " فما كان منه إلا أن تزعم بنفسه عصابة من الرهبان المسيحيين، على حد وصف هنرى مونييه ، واستولى على حصن الإسكندرية العلمى وقام بنفسه بتحطيم تمثال الإله سيرابيس ، تحفة الفنان المبدع برياكسيس ، وجعل أتباعه يسيرون فى المدينة بأجزائه المحطمة. وعانت باقى المعابد من نفس المصير"..

"ولم يكن هدم السيرابيوم إلا حلقة فى سلسلة طويلة من الدمار الذى تمخضت عنه المسيحية فى صراعها الشرس ضد الوثنية " ، ويواصل مونييه قائلا: " إن هذا الحدث كان له أصداء واسعة بسبب تزعم الأسقف تيوفيلوس له ، ويقول العديد من المؤرخين أنه افتعل هذه المظاهرة بالتواطؤ مع إيفاجريوس ، حاكم الإسكندرية الرومانى ، استنادا إلى قرار الإمبراطور تيودوز" (صفحة 37 ). أما باقى المعابد التى لم يتم هدمها فقد تم تحويلها إلى كنائس.

ومن الغريب أن هذا الأسقف ، تيوفيلوس السكندرى، المتوفى عام 412 ، وكان من المدافعين بشدة عن تأليه يسوع ، والذى يحاول البعض تبرأته بإلصاق وحشية أفعاله التدميرية بالمسلمين ، هناك مخطوطة من القرن الخامس تصوره وهو يقف أعلى معبد السيرابيوم ومكتبة الإسكندرية التى أحرقها ! والصورة تمثله وهو ممسك بنسخة من الكتاب المقدس ، ويقف منتصرا على ما دمره، ويُرى الإله سيرابيس داخل المعبد. ويوجد هذا الرسم على هامش حولية مسيحية كتبت فى الإسكندرية فى القرن الخامس الميلادى. أى أنه حتى ذلك الوقت كان معروفا وسائدا أن الأسقف تيوفيلوس هو الذى دمر السيرابيوم ومكتبة الإسكندرية .. ورغمها ، يواصل المحرفون فرياتهم !

والنبذة القصيرة التى نطالعها فى المجلد الرابع لفهرس موسوعة أونيفرساليس الفرنسية (1996) عن تيوفيلوس السكندرى تقول : " تيوفيلوس ، أسقف الإسكندرية من 384 إلى 412 . وقد قام بدور من الدرجة الأولى فى السياسة المدنية والكنسية فى عصره. فقد توصل ، بالاتفاق مع الإمبراطور ، وبالقيام بالعديد من المعارك الدامية ، إلى اقتلاع الوثنية من مصر وذلك بهدم المعابد الوثنية ( ومنها السيرابيوم ، عام 391) وبإقامة المبانى المسيحية بدلا عنها. إن الدور الذى لعبه فى المعركة المتعلقة بأوريجين وموقفه من يوحنا كريزوستوم (أى الفم الذهبى ، لفصاحة لسانه) ، جعل المؤرخون ينتقدونه بشدة. فبعد أن ظل لفترة من الوقت مؤيدا لأتباع أوريجين ، تغير موقفه فجأة وقام بمهاجمة الرهبان التابعين لأوريجين فى صحراء وادى النطرون وإجبارهم على المنفى. واضطرته هذه القسوة إلى الذهاب للدفاع عن نفسه فى القسطنطينية ، حيث كان قد لجأ إليها قرابة خمسين راهبا كانوا فارين منه. وقد وصل تيوفيلوس محاطا بتسع وعشرين أسقفا مصريا ونجح فى كسب معركته بفضل العديد من معارفه فى البلاط الإمبراطورى ، مطالبا عام 403 باستدعاء يوحنا كريزوستوم للمثول أمام المجمع. وأدت هذه الأحداث إلى النفى النهائى ليوحنا عام 404. إلا أن البابا إينوست الأول قد اعترض بعد ذلك على هذه الإدانة دون أن يتمكن من تبرئة يوحنا ، وقام بحرمان تيوفيلوس الذى كان قد نسج هذه المؤامرة عن طريق وسائل عديمة الشرف " (صفحة 3593) ..

وتكشف هذه النبذة ، التى أوردناها بكاملها ، عن مدى عدم أمانة القائمين على تلك المسيحية التى كانوا ينسجونها عبر المكائد والمؤامرات ، وكيفية الإطاحة لا بالخصوم الوثنيين فحسب وإنما بنفس القائمين معهم على ذلك الدين !!

ومن الوثائق الغربية القديمة ، يورد الباحث جى دفيتش فى كتابه عن "حرب المخطوطات" أن المؤرخ اللاتينى ليبانيوس Libanios) ) أورد فى كتابه المعنون " من أجل المعابد" ما يلى : " من أكثر المندفعين حماسا فى حرب الجبابرة هذه هم الرهبان الذين كانوا يجوبون المقاطعات حاملين الهروات والروافع والشواكيش ليقوموا بكسر التماثيل وهدم المذابح والمعابد (...) وفى عام 391 قام تيوفيلوس أسقف الإسكندرية على رأس عدد من أتباعه المسيحيين بغزو معبد السيرابيوم وهدمه بعد أن سرقوا ما به ولم يتركوا إلا قاعدة المعبد لضخامة أحجارها".. (ترجمة رنيه فان لوى ، بيزنطة، المجلد السابع ، طبعة 1933).

وإضافة إلى قرار الإمبراطور تيودوز الصادر عام 393 م ، والذى ينص على استكمال عملية اقتلاع الآخر ، قائلا : " إننا نريد أن يتم هدم كافة المعابد والآثار الوثنية التى لا تزال قائمة ونأمر بأن يتم محو ذلك الدنس بإقامة العلامة المبجلة للديانة المسيحية ، وسنحكم بالموت على كل من يخالف أمرنا هذا عن طريق القضاة المتخصصون" (Cod. Théo. XVI, p.125 ) . وإضافة إلى قرار تيودوز هذا ، هناك قرارات العديد من المجامع المسيحية التى تنص على مواصلة عملية الاقتلاع ومنها مجامع المدن الفرنسية التالية : آرل عام 573 ، و نانت عام 668 ، وروان عام 687 ، وخاصة ما قام به الإمبراطور شارلمان الذى اقتلع ما بقى من وثنية بصورة وحشية حتى وصفه المؤرخ آرثر كمب فى كتابه المعنون : "مسيرة الجبابرة" ، بأنه " قد مارس التبشير بالقتل العرقى". وهو ما يوضح بأية وسائل تم فرض المسيحية فى كل الأماكن التى دخلتها ..

وفى كتاب بعنوان " شمس الله تشرق على الغرب" ( 1963 ) ، تقول الباحثة الألمانية سيجريد هونكه (S. Hunke): " إن القرن الثالث يفتتح سلسلة من أعمال الهدم المنهجية ، إذ قام الأسقف المسيحى بإغلاق الموزيوم وطرد كل المثقفين منه. وفى عام 366، تحت حكم الإمبراطور البيزنطى فالنس ، تم تحويل السيزاريوم إلى كنيسة ، وحرق مكتبته بعد نهبها ، ومطاردة فلاسفتها بتهمة ممارسة السحر. وفى عام 391 طلب الأسقف تيوفيلوس من الإمبراطور تيودوز الموافقة على هدم مركز حج القدماء وآخر قلعة علم باقية ، السيرابيوم ، والقيام بحرق مكتبته. وبذلك ضاع من الإنسانية إلى الأبد كنز لا يمكن تعويضة " (صفحة 217 ).

ويواصل الباحث بعد ذلك قائلا : " إلا أن أعمال الهدم التى يقوم بها المسيحيون المتعصبون لم تتوقف عند ذلك. إذ أن صديق الأسقف سيفيريوس من إنطاقيا يعترف بلا خجل أنه والأسقف قد كانا فى شبابهما أعضاء فى جمعية مسيحية شديدة النشاط فى الإسكندرية فى القرن الخامس ، وقاما هما الاثنان بمعارك شرسة ضد المثقفين الوثنيين وهاجموا معابدهم وقاموا بتكسير تماثيلها وكل منشئاتها. وبذلك اختفت معالم الثقافة الهللينية الواحدة تلو الأخرى. وفى عام 529 م تم إغلاق آخر مدرسة للفلسفة فى أتينا ، وفى عام 600 تم حرق المكتبة المسماة "الإمبراطورية" التى أسسها أغسطس فى روما. وتم منع قراءة الأعمال الكلاسيكية و دراسة الرياضيات وهدم المتبقى من أبنية العبادات القديمة" (صفحة 218).

أى أن عمليات الهدم والحرق فى محاولة دؤوبة لاقتلاع الآخر من جذوره لم تتم فى مدينة الإسكندرية وحدها وإنما تواصلت فى كل البلدان التى امتدت إليها المسيحية .. وتوضح سيجريد هونكه فى نفس الصفحة قائلة : " وعندما دخل العرب مدينة الإسكندرية عام 640 ، لم يكن بها أية مكتبة عامة. أما حريق المكتبة الكبرى السكندرية والذى تم إلصاقه بعد خمسة قرون بالقائد عمرو ، فالعديد من الأبحاث الدقيقة سمحت بتأكيد أن هذه مجرد فرية ، ويا لها من فرية حقيرة.. وكم كانت سعادة من افتروها لاتهام "البرابرة" ! والعكس هو الصحيح ، ففى مسيرته الفاتحة المنتصرة ، قدم فاتح الإسكندرية العديد من النماذج على عظمة التسامح لديه ، فقد منع القيام بنهب وهدم المدن ، ثم ، ويا لعظمة وغرابة ما أقدم عليه : فقد سمح لرعاياه الجدد بممارسة عبادتهم التقليدية " .. أى إن المسلمين لم يقوموا بأية عملية لاقتلاع الآخر وسمحوا للمسيحيين واليهود بممارسة عباداتهم!

ويقول الفونس دان (A. Dain) فى كتابه المعنون " المخطوطات" (1980): " يقال عادة أن جنود الخليفة عمر أحرقوا معبد السيرابيوم وما كان يضمه من مكتبة شهيرة فى هذه المدينة. وقد صدّقت تلك المقولة أنا شخصيا، إلا أنه يجب علىّ أن أعترف بخطئى ، إذ ما أن رحت أتبين الأمر حتى وجدت أن من قام فعلا بحرق مكتبة الإسكندرية هم مسيحيو الأسقف تيوفيلوس. وهنا لا بد من توضيح أنه كان بالإسكندرية مكتبتين : مكتبة البروخيون ، وكانت فى وسط المدينة ، وقد هدمها أورليان سنة 273 حينما استولى على المدينة ، ومكتبة السيرابيوم ، التى هدمها الأسقف تيوفيلوس عام 391 . ويقول القس أوروز ، مؤلف " كتب ضد الوثنيين" عام 417 ، أنه عند مروره بالإسكندرية رأى " دواليب الكتب التى أفرغها رجالنا من محتوياتها" ( الكتاب السادس ، الفصل الخامس عشر) ، وهذه الملاحظة سابقة على الفتح الإسلامى الذى حدث فى منتصف القرن السابع " ( صفحة 189 ).

وما يؤكد أن الحرق والتدمير كان من عادة المسيحيين ووسيلتهم فى فرض عقيدتهم ، القرار الذى أصدره تيودوز الثانى والذى ينص على : " حرق كل ما كتبه بورفير أو غيره ضد عبادة المسيحيين المقدسة لكى لا تقوم هذه الأعمال بإغضاب الرب " ، وارد فى وثيقة : Codex Theodosianus XVI,6,66 ) ). كما قام البابا جريجوار الأكبر (590 – 604 ) بحرق المكتبة المعروفة باسم "الإمبراطورية" فى روما. لذلك يقول جى دفيتش : " لقد تم تنصير التاريخ بالتدريج بخطوات متتالية منذ القرن الثانى، وتواصلت عمليات الهدم والحرق والإبادة ليبدأ ما أُطلق عليه "العصر الأسود" الذى امتد ألف عام " – ويقصد عصر الظلمات الذى شاهد محاكم التفتيش والحروب الصليبية والحروب الدينية وتحريم العلم ومحاربة العلماء – وهو ما يتمشى قطعا مع نفس منهج حرق المكتبات وتدمير المعابد !

وكذلك تم حرق كل الأعمال التى كانت تتضمن الصراعات اللاهوتية مثل أعمال سيلسيوس وبورفير وحاكم بيت عانية والإمبراطور جوليان ، وما بقى منها فهو معروف من الأجزاء المذكورة كاستشهاد فى الرد عليها !

وقد أورد المؤرخ إدوارد جيبون : " أن من حرق مكتبة الإسكندرية هو الأسقف تيوفيلوس ، العدو اللدود للسلام والفضيلة ، ذلك الجرىء الشرير ذو الأيادى الملطخة بالدماء والذهب على التوالى، وهادم السيرابيوم " (قفول وسقوط الإمبراطورية الرومانية ، الفصل 28 ).

وعلى أواخر القرن الرابع وصل اضطهاد الوثنيين إلى ذروته ، فقد تم هدم معظم المعابد ، كما قد تم حرق وهدم باقى المكتبات الخاصة ، وتمت محاربة العلوم والرياضيات والفلسفة وتم إغلاق المدارس الفكرية ليبدأ عصر اضمحلال رهيب فى مدينة اشتهر صيتها عبر العالم القديم كمنارة للعلم والتقدم.. فممن عملوا فى مكتبتها الشهيرة ونهل من دررها لمدة عشرين عاما ، المؤخ استرابون وغيره..

أما عن ذلك النص العربى المزعوم ، فأول ما نبدأ به هو رأى المؤرخ إدوارد جيبون ، فى نفس مرجعه السابق الذكر، حيث يقول : " إن قرار الخليفة عمر يتناقض مع المبادىء الأصلية والسلمية لعلماء المسلمين ، الذين يرفضون قطعا حرق أية نصوص دينية يهودية أو مسيحية تم الاستيلاء عليها فى المعارك الحربية ".. وهذا مجرد تعليق منطقى واحد ، يتمشى مع كل ما يقوله الأمناء من علماء الغرب المسيحى عن أخلاقيات المسلمين وتصرفاتهم فى البلدان التى حكموها.

وإذا ما نظرنا فيمن قال هذه المعلومة ، وهو جمال الدين أبى الحسن على بن يوسف القفطى ( 568 هـ /1172م ـ 646هـ /1248م ) ، لوجدنا فى موقع "المكتبة الوطنية لعلم الطب " فى مدينة أوكسفورد البريطانية : " أن له 26 مؤلفا ، لم يبق منها سوى اثنين ، أحدهما "تأريخ الحكماء" الوارد فيه هذا النص ، غير أن هذا الكتاب ليس النص الأصلى وإنما تلخيص له بقلم الزَ وْ زَنى . والكتاب يضم 414 سيرة ذاتية مختصرة لأطباء وفلاسفة وعلماء فلك ، إضافة إلى العديد من الاستشهادات المأخوذة عن كتّاب يونانيين لم يحتفظ بها فى الكتاب الأصلى " ! وتحتفظ المكتبة الوطنية لعلم الطب بنسخة منه تحت رقم ( Ms A 72 ). وقد قام بترجمته إلى الألمانية و طبعه العالم يوليوس ليبّرت فى مدينة لايبزيج سنة 1903.

وبعد خمس سنوات ، أى فى عام 1908 ، طبع لأول مرة بالعربية على نفقة أحمد ناجى الجمالى ومحمد أمين الخانجى وأخيه ، بعنوان " تأريخ الحكماء" ، وهو مختصر الزَوْزَنى المسمى بالمنتخبات الملتقطات من كتاب " إخبار العلماء بأخبار الحكماء" ، وقد تمت مراجعته على كتاب ليبرت.

أما السياق الذى أتى فيه هذا الاستشهاد فلا يقل افتراء فى مغزاه من الفرية نفسها ، إذ يقول النص أن الأسقف يحيى النحوى قد طلب من عمرو بن العاص أن يعطيه الكتب التى فى المكتبة قائلا : " قد أوقعت الحوطة عليها ونحن محتاجون إليها ولا نفع لكم بها " !

أى إن الأسقف وأعوانه ، والغارق معهم فى الصراعات الدينية حول التثليث ، وفقا لما هو وارد فى نفس صفحة القفطى ، هم يقدرون العلم و بحاجة إلى الكتب لصونها من الضياع ، وأما المسلمون الجهلاء فقاموا بتدميرها !!

ومن الواضح أن النص المزعوم الوارد فى كتاب القفطى كان عبارة عن استشهاد من الاستشهادات المنقولة عن أحد اليونانيين المسيحيين ، الذين يعنيهم تبرئة بنى جلدتهم من كل ما اقترفوه من حرائق وتدمير واقتلاع لتراث حضارة بأسرها. خاصة و أن الفترة التى كان فيها ابن القفطى على قيد الحياة أو حتى السنة التى تم فيها عمل نسخة من ذلك الكتاب بعد وفاته بعام ، بقلم الزَوْزَنى ، فهى تقع فى قلب فترة الحروب الصليبية بكل ما واكبها من محاولات للنيل من الإسلام والمسلمين..

وإذا ما نظرنا من الناحية الدينية الإسلامية ، لأدركنا لا معقولية هذه الفرية ، فقد بدأ تنزيل كتاب الله العزيز بفعل أمر ، وهو : " اقرأ "، كما أن ثانى سورة أُنزلت هى سورة " القلم " .. أى إن أولى خطوات الرسالة الإسلامية بدأت بالحث على القراءة والكتابة ، على دراسة الكتاب المسطور والكتاب المنظور فى رحابة الكون على اتساعه .. فكيف يمكن لعاقل أن يعقل فرية أن يقوم سيدنا عمر، وهو من صاحَبَ رسولنا الكريم ، صلوات الله عليه ، بأن يتفوه بمثل هذا الجُرم – لا فى حق العلم والعلماء فحسب ، ولكن فى حق الدين الذى عاصر نشأته ، وواكب أولى خطواته ، وعمل على انتشاره ؟!
منقول من موقع التاريخ

مدونة بن عربي : الصوفية هي الحق هى المعرفة النورانية اللدنية

مدونة بن عربي : الصوفية هي الحق هى المعرفة النورانية اللدونية